حكاية نرجس.. «ملحمة درامية»
عندما تتعدّد العناصر المتميزة فى أى عمل فنى فنحن أمام عمل استثنائى، لكن عندما تتكامل كل العناصر المميزة فى عمل فنى واحد، فنحن أمام «ملحمة درامية»، وهو أقل ما يمكن وصف مسلسل «حكاية نرجس» به، هذا المسلسل المأخوذ عن قصة حقيقية عُرفت فى الإعلام ساعتها بقضية «بنت إبليس»، المرأة التى لا تُنجب وتلجأ لخطف ثلاثة أطفال من محافظات مختلفة وتعتبرهم أولادها حتى تهرب من نظرات المجتمع لها بأنها «عقيم».
المسلسل يطرح قضية شديدة التعقيد من خلال عدة أسئلة، أهمها هل نظرة المجتمع تحول الشخص إلى مجرم؟.. أم أنه مجرم بطبعه وأخذ كلام الناس كذريعة لأفعاله؟ وهل الضغوط النفسية على شخص يمكن أن يحوله إلى سارق وقاتل؟.. المسلسل يطرح كل هذه الأسئلة بأسلوب سلس وبسيط من خلال شخصية نرجس، التى قد يتعاطف معها البعض على أنها زجّ إلى هذه الأفعال من نظرات المحيطين وتلسينهم عليها، ويرى آخرون أن لديها مشكلات نفسية جعلتها تقوم بهذه الأعمال، بينما ذهب فريق ثالث إلى أنها مجرمة سارقة وقاتلة، فكم هو إحساس مرير تشعر بها المرأة التى حُرمت من غريزة الأمومة تتعرّض له يومياً من أقرب المحيطين ونظرات القريب قبل الغريب بأنها إنسانة غير كاملة «شعور بالنص» والكلمات التى تتلقاها كالطعنات فى وجهها وخلفها، ولكن كل هذا لا يُبرر حجم جرائمها، التى تبدأ بكذبة، ولتدارى عليها تقع فى سلسلة من الأكاذيب تورّطها فى سرقة طفل لتحرق كبد أم مكلومة على فقدان ابنها وإيهام زوجها بأنه هو العقيم، لتتورط فى جرائم أكبر وتخلق لنفسها حياة أسرية وهمية، فانجراف نرجس فى الأكاذيب كان بدافع تحسين الصورة الاجتماعية من خلال أسرة مستقرّة، وأنها مرأة كاملة فى عيون من حولها.
المسلسل تضافرت فيه كل العوامل ليكون ملحمة درامية، بداية من المؤلف عماد صبرى الذى فرض نفسه هذا العام من خلال أهم مسلسلين عُرضا ولاقا تفاعلاً كبيراً من الجمهور -من وجهة نظرى- «صحاب الأرض» و«حكاية نرجس»، وفى الأخير قدم شكلاً للأسر المصرية فى المناطق الشعبية دون سجع أو صوت عالٍ، بل كانت الجمل الحوارية توصل المشاعر دون دغدغتها. التقط السيناريو المخرج العالمى الحاصل على السعفة الذهبية فى مهرجان كان بفيلم «ستاشر» سامح علاء فى تجربته التليفزيونية الأولى له، وقدّم إبداعاً فى اللقطات والمشاهد والتفاصيل التى تصاحب كل شخصية من شخصيات العمل، بما يُناسب الموقف، وقدم صورة لا تُنفر منها، فاهتم بجميع أبطاله وكادرات الصورة التى تتوافق مع الحدث، وجعل المشاهد يلهث خلف سرعة الأحداث المتلاحقة، لدرجة أنك لا تترك الفاصل الإعلانى حتى تتابع العمل.
أما نجوم المسلسل فأثبتت ريهام عبدالغفور أنها نجمة رمضان هذا العام، ولسان حالها فليختلف من يختلف على القمة، ولكنها تصنع قمة منفردة بها من خلال الأداء والحركات والنظرات وطريقة التمثيل، نافسها فى المسلسل حمزة العيلى الذى يثبت مع كل عمل أنه شيطان تمثيل قادر على استيعاب أعقد الشخصيات وتقديمها بكل يُسر، ويقنعك بأنه لا يمثل، وربما يكون هذا العمل الأكثر تميّزاً لأحمد عزمى بعد عودته، ليؤكد أنه نجم لديه الكثير ليُقدمه، فلم يخرج بعد كل ما فى جعبته رغم تألقه.
المسلسل أعتبره من أفضل الأعمال الاجتماعية التى قُدّمت هذا العام، من حيث القضية والتناول وأداء النجوم والإخراج.