باسم سمرة.. «زكي» الذي أسرتنا تناقضاته

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

النقلة التى ميزت الإنتاج الدرامى الذى عرضته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية فى هذا الموسم الرمضانى برزت فى منح الأولوية للفكرة التى احتلت مركز الصدارة. لمست اهتمامات المشاهد حول أبرز القضايا التى تشغله، ما أضاف إلى تأثير العمل الدرامى وقوة تواصله مع المتلقى. أما الطفرة الأخرى فتمثلت فى إلقاء الضوء ومنح فرص أكبر لإبراز قدرات الأداء عند جيل جديد من الممثلين فى مساحات إبداع أثبتت قدراتهم على تحمل مسئولية أدوار البطولة. على سبيل المثال لا الحصر، عصام عمر فى مسلسل «عين سحرية». الموهبة التى يراهن أغلب النقاد على أنها ستكون من أهم الأسماء مستقبلاً فى عالم التمثيل.

على الجانب الآخر، الصياغة الرائعة التى أبدعها مؤلف مسلسل «عين سحرية»، هشام هلال، أمتعت المشاهد بمناطق مختلفة وجديدة لأداء فنان قدير اقتحم بموهبته عمق الشخصية من كل الزوايا النفسية والاجتماعية. أداء باسم سمرة الاستثنائى لم يغفل عن أدق التفاصيل فى التعبير بلغة الجسد، ما يتضح فى المشاهد التى يتوقف فيها الحوار لتصبح لغة الجسد، الملامح، الإيماءات، هى أدوات التعبير البديلة عن الكلمات. ضبط الانفعال مع كل مشهد معتمداً على الخبرة الفنية التى وضعت باسم سمرة فى منطقة أداء منفردة. بالإضافة إلى قدرته على خلق حالة كيمياء فنية مع شخصيات العمل سواء سينما أو دراما.

يستمر باسم سمرة فى استدعاء ملكاته وتجويد الأداء فى مسلسل «عين سحرية» ليفاجئ المشاهد بأداء غير نمطى لشخصية زكى المحامى، بالإضافة إلى المباراة الفنية التى ميزت مشاهد جمعت باسم سمرة مع عصام عمر الذى جسد شخصية عادل، فى ثنائى قدم أعلى لقطات المسلسل. نجح باسم سمرة فى تحويل دور زكى إلى شخصية حقيقية من الحياة استلهم كل تفاصيلها من النسيج المجتمعى الذى يمكن مصادفته فى الواقع رغم كونها شخصية غاية فى التعقيد والتركيبات النفسية المتشابكة. باسم سمرة وضع شخصية زكى المحامى داخل إطار متقن بعيداً عن النمط التقليدى المحصور إما داخل منطقة الكراهية أو التعاطف.

مهارة أداء وضعت الشخصية فى مساحة بين المتناقضات حتى جعلت المشاهد يجد نفسه متعاطفاً مع زكى فى لحظات قسوتها مستوعباً دوافعها مهما بلغ الشر الذى تختزنه أو الضعف الكامن فى خبايا الشخصية، تحديداً فى المشاهد التى جمعته مع الطبيبة النفسية ابنته التى تجهله ضمن أحداث المسلسل ويخشى مواجهتها أو إظهار أى مشاعر أبوية تجاهها. الخبرة الفنية التى يختزنها باسم سمرة نأت به عن تقديم صورة مطلقة لرمز الخير أو الشر.

هو أقرب إلى نمط إنسانى فى صراع بين الضرورة الأخلاقية والضعف الإنسانى. تركيبة نفسية مركبة لمحامٍ خرج تواً من السجن بعدما اتُّهم ظلماً بسبب نزاهته.. يخرج إلى العالم مطارداً بسمعة تجعله يعيش معزولاً اجتماعياً وعاطفياً بعدما فقد زوجته وابنته.

التحدى الذى اتسم به رسم وتشكيل الأداء فى كل شخصية قدمها باسم سمرة أظهر تألقه فى ضبط مفاتيح الإيقاع الدقيق لشخصية زكى المحامى. أداء محسوب يجمع بين الهدوء والصلابة لم تخدشه لحظة انفعال أو مبالغة. حتى نبرة الصوت تناغمت مع إيقاع الأداء بكل نزعات السلطة التى تختزنها شخصية زكى المحامى. باسم سمرة برع بصدق شديد فى التنقل بين حالات متباينة تتصارع داخل شخصية واحدة عبر إيقاع سلس منضبط أضفى حضورها بقوة فى كل مشهد. صورة إنسانية لشخصية مثقلة بالتجربة والحرمان، نموذج لشخص حاول بناء قناعاته المهنية على قواعد مستقرة، فى مقابل اصطدامه بواقع يدفعه إلى إعادة تعريف مفاهيمه المثالية القديمة. تتشابك صراعاته الداخلية إلى مساحة صراع أوسع بين القيمة والمنفعة. ما يجب وما يمكن، وهو ما ظهر بوضوح تحديداً فى المشاهد التى عكست تفاعلاً بين شخصيتى عادل وزكى، اللتين شكّلتا الأبرز ضمن مسلسلات الموسم الرمضانى الحالى.

بعدما يقرب من حوالى المائة عمل على مدار مسيرته السينمائية والتليفزيونية، نجح باسم سمرة فى تحدى الإجادة ومنافسة نفسه عند إظهار قدراته الأدائية مع كل دور. باسم سمرة فى دور زكى المحامى يطلق مساحات جديدة من موهبته الغزيرة فى دور اقتحم قلب المشاهد مضيفاً بصمة تؤكد موهبته الاستثنائية فى دور يستدعى من ممثل قدير شحنة إبداعية كبيرة ومتجددة فى مخزون موهبته.

دراما إنسانية واعية، لا تكتفى بطرح الأسئلة بل تضع المتلقى شريكاً فى التأمل. صدق الأداء مع رؤية إخراجية غاية فى البراعة والتميز.. عناصر منحت تجربة مسلسل «عين سحرية» عمقها وتأثيرها الهادئ.. لكن النافذ.

«مرسيدس» نقطة الانطلاق

نشأ باسم سمرة فى بيئة شعبية كان لها تأثير واضح على شخصيته الفنية وأسلوب أدائه الواقعى. منذ سنوات شبابه الأولى أبدى اهتماماً بالفن والتمثيل، الأمر الذى دفعه إلى خوض تجارب فنية مبكرة قبل أن يبدأ مشواره الاحترافى فى عالم التمثيل.

بدأ مسيرته الفنية فى تسعينات القرن الماضى، ولفت الأنظار من خلال مشاركته فى عدد من الأعمال السينمائية المهمة، وكان من أبرزها فيلم «القاهرة منورة بأهلها» و«مرسيدس»، كما ظهر فى الفيلم التسجيلى «صبيان وبنات»، ويعد فيلم «مرسيدس» للمخرج يسرى نصر الله هو الذى شكّل نقطة انطلاق مهمة فى مشواره الفنى. بعد ذلك توالت مشاركاته فى العديد من الأفلام والمسلسلات التى أبرزت موهبته وقدرته على تقديم شخصيات متنوعة.

عمل باسم سمرة مع عدد كبير من نجوم وصنّاع السينما والدراما فى مصر، وشارك فى أعمال ناجحة جماهيرياً ونقدياً، من بينها فيلم «الجزيرة» الذى حقق انتشاراً واسعاً. كما شارك فى العديد من المسلسلات التليفزيونية التى رسخت حضوره لدى الجمهور. ومع مرور الوقت، استطاع أن يثبت نفسه كأحد الممثلين المميزين بقدرته على تجسيد الشخصيات الشعبية والدرامية بصدق كبير، ليصبح اليوم من الأسماء البارزة فى الساحة الفنية المصرية.