مندوب مصر السابق بـ«الأمم المتحدة»: التاريخ سيذكر لمصر مواقفها الثابتة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني

كتب: أحمد حامد دياب

مندوب مصر السابق بـ«الأمم المتحدة»: التاريخ سيذكر لمصر مواقفها الثابتة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني

مندوب مصر السابق بـ«الأمم المتحدة»: التاريخ سيذكر لمصر مواقفها الثابتة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني

السفير أسامة عبدالخالق: المنظمة تحتاج إلى إصلاح إداري.. ونظام مجلس الأمن لا يناسب العصر الحالي بسبب «الفيتو»



قال السفير أسامة عبدالخالق، المندوب السابق لمصر لدى الأمم المتحدة، إنّ التاريخ سيُسجل موقف مصر الثابت للذود عن حقوق الفلسطينيين والدفاع المستميت عن الأمن القومي العربي. وتذكر «عبدالخالق»، خلال حوار لـ«الوطن»، كلمة مصر التي ألقاها في مجلس الأمن إبان الاعتداء الإسرائيلي على السيادة القطرية، مؤكداً أن البيان اختُتم بعبارة أن أمن البلدين الشقيقين واحد لا يتجزأ.

■ توليت مهام المندوب الدائم لمصر لدى الأمم المتحدة في فترة هي الأصعب، وواكبت حرب الإبادة الجماعية على الأشقاء الفلسطينيين في قطاع غزة.. كيف ترى هذه الفترة؟ وكيف تقيّم الدور المصري لوقف هذه الحرب؟

- بالفعل، أصعب ملف تعاملت معه كمندوب دائم لمصر لدى الأمم المتحدة هو ملف الحرب على غزة، لأنه يتعلق بأم القضايا المرتبطة بالأمن القومي المصري والعربي عموماً، قضية فلسطين، الجرح المزمن المفتوح في البدن العربي. وكان توجيه القيادة السياسية قاطعاً لأجهزة الأمن القومي المصري ووزارة الخارجية في القلب منها، بالعمل على وقف الحرب، ونتذكر جميعاً استضافة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي لقمة القاهرة للسلام في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٣ وما عكسته من التزام مصري بثوابتها الراسخة إزاء القضية، وأبرزها رفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية والتوقف عن قتل وترويع المدنيين، مع التأكيد على الحق في السلام للجميع، واستعداد مصر للعمل على تحقيق السلام العادل والشامل، ومن هذه المنطلقات الصلبة جاءت مواقف مصر في الأمم المتحدة لتعكس موقفها الداعم للحق الفلسطيني والسعي لإنهاء العدوان الإسرائيلي ووقف إطلاق النار والعمل على ضمان تدفّق المساعدات الإنسانية إلى أشقائنا الفلسطينيين مع التأكيد دوماً على حق الفلسطينيين غير القابل للتصرّف في إقامة دولتهم على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧.

وفى إطار تلك المحدّدات عملنا في الجمعية العامة، وفى مجلس الأمن على استصدار القرارات المستجيبة والمحقّقة لمطالبنا الوطنية والعربية والإسلامية، ومن بينها قرارا مجلس الأمن ٢٧٢٠ و٢٧٣٥، والقرار الذى أنهى الحرب ٢٨٠٣، بعدما استضاف رئيس الجمهورية الرئيس ترامب في قمة شرم الشيخ للسلام في منتصف أكتوبر ٢٠٢٥، وتم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

وسوف يسجل التاريخ لمصر أنها ثابتة كالطود في الذود عن حقوق الفلسطينيين والدفاع المستميت عن الأمن القومي العربي، ويتعين أيضاً إدراك أن مصر بمفردها قدّمت ما يناهز 70% من مجمل المساعدات الإنسانية إلى أشقائنا الفلسطينيين في غزة، وهذا جهد رهيب لتثبيت الأشقاء في أرضهم وأرض أجدادهم.

المنظمة الدولية تواجه تحدياً وجودياً بسبب سياسات الإدارة الأمريكية المطالبة بالتركيز على السلم والأمن ورفض الدور الأممي في الجانب التنموي

■ شهدت المنطقة في تلك الفترة عدداً من التوترات غير المسبوقة، أبرزها استهداف قيادات حركة حماس في قطر، ولسيادتكم كلمة مشهورة في مجلس الأمن حول هذه المشكلة، نالت استحسان العالم العربي أجمع.. كيف ترى هذه الأزمة والموقف المصري المشرف مع قطر؟

- أراد الله أن تسرف إسرائيل في غيّها واعتداءاتها، فطالت أياديها الآثمة قطر الشقيقة في عدوان غادر على وسيط نزيه استضاف محادثات لوقف إطلاق النار، وتبنّت مصر موقفاً صلباً بإدانة العدوان وإبداء التضامن الواجب مع قطر الشقيقة، قيادة وحكومة وشعباً، وجاء بيان القاهرة أمام مجلس الأمن الذى انعقد غداة الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، ليؤكد موقف مصر المتضامن مع قطر الشقيقة، وجاءت العفوية في ختام البيان بأن أمن البلدين الشقيقين واحد لا يتجزأ.

■ اختارت مصر في عهد السيسي مبدأ الاتزان الاستراتيجي في علاقاتها الدولية.. كيف تقيّم هذه السياسة؟

- بالفعل للسياسة الخارجية في عهد الرئيس السيسي ملمح وتوجّه ثابت وواضح بالتزام التوازن الاستراتيجى، وينعكس ذلك في علاقات مصر الدولية وتشعّبها واتزانها وصيانتها للمصالح المصرية، وينسجم ذلك التوازن كملمح وتوجّه مع ما يرصده الجميع من الأساس الأخلاقى الصلب للسياسة الخارجية المصرية في الجمهورية الجديدة، فمصر لا تتآمر وتتصرّف وتتعامل بشرف ونزاهة لا تخطئها العين المدقّقة، ومصداقيتها لدى كل الأطراف معلومة وموثّقة، وتصرفاتها متسقة وقائمة دوماً على المبدأ والحق.

■ في رأيك.. هل نجحت الأمم المتحدة في القيام بدورها في الأزمات الدولية الأخيرة، خاصة الحرب الروسية - الأوكرانية وحرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة؟

- الأمم المتحدة وأجهزتها، وفى القلب منها مجلس الأمن المنوط به حفظ السلم والأمن الدوليين، تعاملت مع الحربين في غزة وأوكرانيا، وفى الأخيرة عجز مجلس الأمن طوال سنوات أربع عن إيقاف الحرب وأصدر قراراً وحيداً برقم ٢٧٧٤ في فبراير ٢٠٢٥ يطالب بوقف إطلاق النار في تصويت نادر صوّتت فيه الولايات المتحدة وروسيا والصين لصالح القرار، مقابل امتناع كل الأوروبيين بمن فيهم العضوان الدائمان فرنسا والمملكة المتحدة، وهذا نمط تصويتى نادراً ما يتكرّر، حيث سبق أن حدث في عام ١٩٥٦ بعد العدوان الثلاثى على مصر، وجاءت صعوبة استصدار القرار من مجلس الأمن بشأن أوكرانيا لكون روسيا أحد الأعضاء الدائمين والمتمتّعين بالفيتو طرفاً في الحرب.

وفى المقابل، نجحت المجموعتان العربية والإسلامية بالأمم المتحدة في استصدار عدة قرارات من مجلس الأمن بشأن غزة، رغم أن الولايات المتحدة أجهضت عدة محاولات باستخدامها المتكرر للڤيتو، وتبقى الحقيقة ماثلة للعيان بأن ضراوة وشراسة وحجم الدمار والخراب وعدد الضحايا من المدنيين الذى نجم عن الاعتداءات الإسرائيلية على غزة فاقت حجم الدمار والخسائر في الحالة الأوكرانية. ومن ثم، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر الماضى بعد عامين من الحرب، والشروع في تنفيذ خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين، التي اعتمدها قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار.

■ تعالت مؤخراً الأصوات التي تنادى بإصلاح نظام الأمم المتحدة وأيضاً إصلاح نظام مجلس الأمن الذى لم يعد يؤدى دوره الأساسى في حفظ السلم والأمن الدوليين.. كيف ترى هذه الدعوات؟

- كل مُطالب بإصلاح الأمم المتحدة على حق، ومن نافلة القول إن منظمة شُيدت لعالم ما بعد ١٩٤٥ بنهاية الحرب العالمية الثانية لم تعد مناسبة لعالم ما بعد الحداثة في القرن الواحد والعشرين، لأن موازين القوى تتغيّر ويتسارع التطور العلمي والتكنولوجي، وكلها عوامل تدفع صوب إعادة تحديد الأهداف والسُّبل الكفيلة بتحقيقها في تلك المنظمة العالمية، وبالتالي يجب إصلاح وتوسيع مجلس الأمن وخلق حل نهائى لمعضلة الڤيتو التي تكبّل عمل المجلس وقدرته على حل النزاعات، إما بنبذه أو بمنحه لأعضاء دائمين جدد.

كيف لا يكون لأفريقيا مقاعد دائمة وبحق الڤيتو، وهى تُمثل أكثر من ربع أعضاء الأمم المتحدة عددياً، حسب المطلب الأفريقى المعروف بـ«توافق إيزولويني»، وكيف لا يكون للعرب تمثيل دائم وعددهم يناهز أكثر من عُشر العضويات العامة بالمنظمة. الخلاصة أنّ مجلس الأمن بحجم عضويته وفاعليته الحالية لا يناسب التحديات الأمنية الراهنة وما يزيد صعوبة الإصلاح أن دعاويه تتصاعد، فيما تجابه المنظمة تحدياً وجودياً آخر بسبب سياسات الإدارة الأمريكية التي تطالب بالعودة إلى التركيز فقط على السلم والأمن ورفض الدور الأممى في الجانب التنموى والمجالات البازغة كالذكاء الاصطناعي وغيره، وتعمد إلى تقليل مساهماتها المالية في المنظمة، ومن الإنصاف القول إن الأمم المتحدة بها بيروقراطية ثقيلة ويلزمها إصلاح إدارى لزيادة كفاءة الإنفاق والحفاظ على مصداقيتها.

■ طوال سنوات كثيرة من العمل الدبلوماسي.. ما أصعب جولة تفاوض واجهتها في حياتك؟

- أصعب تفاوض في العمل متعدّد الأطراف هو التفاوض على القرارات الخاصة بالسلم والأمن، سواء في مجلس السلم والأمن الأفريقي أو مجلس الأمن الدولي، ومن ثم كان التفاوض على بعض تلك القرارات شديد الصعوبة، ومن بينها قرارا مجلس الأمن ٢٧٢٠ و٢٨٠٣، لأنهما يتعلقان بغزة وحق فلسطين وأهلها الكرام من أشقائنا.

■ هل يبقى الوفد المصري أثناء اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحديداً خلال كلمة ممثل إسرائيل نتنياهو أو غيره؟

- الأصل في تقاليد الوفد المصري بالأمم هو ألا يترك مقعد مصر شاغراً أبداً، ولكن الاستثناء هو شغور المقعد للاحتجاج السياسى، ووفقاً لتوافق عريض داخل المجموعة العربية والإسلامية غادر ممثل الوفد المصري مقعده مع كل الممثلين العرب والمسلمين في أثناء إلقاء نتنياهو كلمته في الشق رفيع المستوى في الدورتين ٧٩ و٨٠ للاحتجاج على سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرّف بقيادة نتنياهو وأوهام إسرائيل الكبرى وتنكيلهم وعدوانهم الغادر على أشقائنا الفلسطينيين.

■ كيف تقرأ المشهد العالمي الحالي؟

  • الوضع الدولي الراهن يتسم بالسيولة، مع تنامى تجاوز قواعد القانون الدولي وتصاعد اللجوء للقوة من جانب بعض القوى الكبرى، ومع ازدياد حدة الاستقطاب الدولي وازدياد التصرّفات الأحادية وتراجع درجة الالتزام التعاهدى بين القوى النووية ذاتها، وعدم قدرة المنظومة الدولية الراهنة على إيجاد الحلول، تتزايد بالطبع نظرياً احتمالات الصدام بين القوى الكبرى، ولعل التوتّر الراهن في المنطقة جراء أزمة إيران مثال على درجة عدم اليقين بشأن الاحتمالات المفتوحة لنطاق وتداعيات الأزمة حال تفجر المواجهة المسلحة مجدداً، والقول إننا على أعتاب حرب عالمية ثالثة يشوبه بعض المبالغة في تقديرى المتواضِع.

    «جوتيريش»

أنطونيو جوتيريش رجل دولة وسياسة من طراز رفيع، شغل الكثير من المناصب، من بينها رئيس الوزراء في البرتغال، ثم المفوض السامي للاجئين بالأمم المتحدة، وعرفته وتابعته وعملت معه لسنوات طوال، وسيُنصفه التاريخ ويسجل أنه سكرتير عام أمين، ويتحلى بالنزاهة الأخلاقية، ورأيناه جميعاً وهو يفعّل المادة ٩٩ من ميثاق الأمم المتحدة ليخطر مجلس الأمن بأن الحرب على غزة تُمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، كما تابعناه وهو يحاول إعادة تنشيط العمل الدولي عبر إصداره تقرير أجندتنا المشتركة الذى حفّز مساراً أممياً انتهى باعتماد ميثاق المستقبل في سبتمبر ٢٠٢٤، وهو رجل ذو باع طويل ولديه رؤية ناضجة وواعية للشئون الدولية.


مواضيع متعلقة