بصراحة القائد ووعي المواطن.. ستبقى مصر

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

كثيرًا ما تتعرض الأوطان لأزمات كبرى، وفي لحظات التحول يصبح الوعي المجتمعي ركيزة أساسية للحفاظ على استقرار الدولة واستمرار مسيرتها نحو المستقبل، وهنا تتجلى قيمة شجاعة القيادة في مصارحة المواطن بحقيقة الأوضاع، وصعوبتها، وفي الوقت نفسه تبرز أهمية وعي المواطن وتقديره لأبعاد الأزمة، وقدرته على التمسك ببقاء الدولة الوطنية قوية وصلبة، وعصية على الانهيار .
من هذا المنطلق جاءت كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، لتؤكد مرة أخرى أن قوة مصر الحقيقية لا تكمن فقط في مؤسساتها أو إمكاناتها، وإنما في العلاقة الصادقة التي تجمع بين القيادة والشعب، وفي الوعي الوطني كحاضنة في مواجهة التحديات .
حرص الرئيس في مستهل كلمته على التأكيد على رمزية هذا اللقاء الذي يجمع أطياف المجتمع المصري كافة، في مشهد يعكس وحدة الوطن وتماسكه .
وإفطار الأسرة المصرية لم يعد مجرد مناسبة اجتماعية، لكنه أصبح منصة للحوار الصريح حول قضايا الوطن وتحدياته، ووجه الرئيس حديثه إلى الشعب المصري هذه المرة، باعتباره شريكًا أصيلًا في المسؤولية، وفي فهم الواقع والتعامل مع تعقيداته .
المنطقة - كما أوضح الرئيس - تقف بالفعل أمام مفترق طرق تاريخي، في ظل صراعات ونزاعات تمتد من الشرق إلى الغرب، وتلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي .
هذه المتغيرات المتسارعة لم تعد شأنًا بعيدًا عن الداخل المصري، لكنها أصبحت عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد والأسواق وسلاسل الإمداد، وهو ما يفرض على الدولة اتخاذ أصعب القرارات لتجاوز الأزمة، والحفاظ على الاستقرار .
اختار الرئيس منهج المكاشفة بدلًا من المواربة، وإنكار الواقع او تجميله، وتحدث بوضوح عن الضغوط الاقتصادية التي تواجه الدولة، وعن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة - مضطرة - ومن بينها رفع أسعار المنتجات البترولية .
لم يسع الرئيس للتقليل من حجم الأعباء التي يتحملها المواطن، وأكد إدراك الدولة الكامل لما يشعر به من ضغوط معيشية، وهو اعتراف يحمل في مضمونه تقديرًا كبيرًا لـ " صبر المصريين " وقدرتهم على تحمل التحديات.
الرسالة الأكثر أهمية في هذا السياق، هي الإشارة إلى أن القرارات الصعبة ليست خيارًا مفضلًا لدى الحكومة، لكنها قرارات الضرورة القصوى التي يفرضها الواقع .
الدولة - كما أوضح الرئيس - لا تتخذ أي إجراء إلا بعد دراسة دقيقة، مع الحرص على اختيار البديل الأقل كلفة على المواطنين، وهذه النقطة تعكس فلسفة إدارة الأزمات التي تتبناها الدولة، حيث يصبح الهدف هو تجنب السيناريوهات الأكثر خطورة، حتى وإن تطلب الأمر اتخاذ إجراءات حادة - وغير شعبية - على المدى القصير .
وقدم الرئيس شرحًا اقتصاديًا مهماً يتعلق بقطاع الطاقة، وهو ملف غالبًا ما يتم اختزاله في مجرد استهلاك السيارات للوقود، وأوضح أن الجزء الأكبر من المنتجات البترولية يذهب لتشغيل محطات الكهرباء والطاقة، وأن حجم الاستهلاك السنوي يصل إلى 20 مليار دولار، أي ما يعادل تريليون جنيه تقريبًا .
هذه الأرقام تكشف حجم التحدي الذي تواجهه الدولة في إدارة موارد الطاقة، كما تفسر الجهود المبذولة للتحول نحو الطاقة الجديدة والمتجددة .
وفي هذا الإطار، أشار الرئيس إلى الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه مصر للوصول إلى نسبة 42 % من الطاقة الجديدة والمتجددة بحلول عام 2030، بل والعمل على تحقيق هذا الهدف قبل الموعد المحدد .
هذه الرؤية تعكس الرؤية الاستباقية لأهمية التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة، يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي، ويعزز قدرة الدولة على مواجهة التقلبات العالمية في أسعار الطاقة .
لم تتوقف صراحة الرئيس السيسي عند حدود شرح الأوضاع الاقتصادية وفقط، وامتدت إلى دعوة واضحة لتعزيز الشفافية والتواصل مع المواطنين، وطالب الحكومة - والمعنيين - بتقديم الشرح الكافي للرأي العام، حتى تتضح الحقائق أمام الجميع، خصوصًا لأولئك المؤثرين في المجتمع من إعلاميين ومثقفين وأصحاب الرأي. وهذه الدعوة تعكس إيمان القيادة بأن الوعي المجتمعي لا يتشكل إلا عبر المعرفة والوضوح .
وفي مقابل هذه الصراحة من القيادة، شدد الرئيس على أهمية وعي المواطن المصري بدقة المرحلة التي تمر بها المنطقة. فالتاريخ القريب - كما أشار - يحمل دروساً قاسية، خاصة ما شهدته المنطقة خلال أحداث عامي 2010 و2011 من اضطرابات، كلفت الدول خسائر فادحة في الاستقرار والتنمية، ومن هنا تأتي أهمية التماسك الوطني والحفاظ على استقرار الدولة باعتباره الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي .
ولم يغفل الرئيس الجانب الاجتماعي في معادلة الإصلاح الاقتصادي، وأكد حرص الدولة على استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجًا، مع العمل على إطلاق حزمة اجتماعية جديدة تستهدف محدودي ومتوسطي الدخل. وهذا التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية يمثل أحد التحديات الكبرى التي تسعى الدولة إلى إدارتها بحكمة، حتى لا يتحمل المواطن وحده كلفة التحولات الاقتصادية .
وحسنًا أن تطرق الرئيس إلى البعد الثقافي، عندما تحدث عن أهمية الأعمال الفنية والدرامية في تشكيل وعي الأسرة المصرية، وأكد ضرورة أن تعكس هذه الأعمال قيم المجتمع المصري وأصالته الحضارية، وأن تسهم في بناء وجدان وطني يليق بمكانة مصر وتاريخها، وهذا الطرح يعكس رؤية شاملة لدور الثقافة والإعلام في دعم الاستقرار المجتمعي وتعزيز الهوية الوطنية .
الرسالة الأساسية التي حملتها كلمة الرئيس يمكن تلخيصها في معادلة بسيطة لكنها عميقة .. صراحة القائد تقابلها مسؤولية المواطن، وحينما تكون القيادة واضحة في طرح التحديات، يصبح من واجب المجتمع أن يتعامل معها بوعي وإدراك بعيدًا عن الانفعال أو الانسياق وراء الشائعات. وهذه المعادلة هي التي تحفظ للدولة تماسكها في الأوقات الصعبة .
أكد الرئيس أن مصر تدرك حجم التحديات التي تحيط بها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك الإرادة والقدرة على تجاوزها، والدولة التي واجهت أزمات إقليمية واقتصادية متلاحقة خلال السنوات الماضية، واستطاعت رغم ذلك الحفاظ على استقرارها ومؤسساتها، قادرة بلا شك على مواصلة طريقها نحو المستقبل .
خلاصة المشهد الحالي، أن قوة مصر الحقيقية تكمن في تماسكها، وحين تتكامل صراحة القيادة مع وعي المواطن، يصبح الوطن أكثر قدرة على الصمود في وجه العواصف، وعندها يمكنننا القول بثقة إن مصر، بوعي شعبها وإرادة قيادتها، ستظل ثابتة راسخة مهما عظمت التحديات .
هكذا تتجدد الحقيقة التي أكدها الرئيس في ختام كلمته في إفطار الأسرة المصرية، فمهما اشتدت الأزمات وتفاقمت الصراعات في محيطنا الإقليمي، ستظل مصر، قوية بشعبها، متماسكة بوحدتها، ماضية في طريقها نحو مستقبل أكثر استقرارًا وأمنًا وازدهارًا .