حروب إسرائيل العقيمة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

وُلدت إسرائيل منذ ما يقرب من 80 عامًا ولادة غير شرعية. وُلدت بالنار والدم؛ نار السلاح الأوروبي، والدم العربي في فلسطين. وُلدت لقيطة للاستعمار الذي زرعها لتكون امتدادًا للحروب الصليبية في صورة مغايرة. منذ ذلك الوقت، بل قبله لسنوات، يخوض ذلك الكيان الاحتلالي حروبًا ضد أصحاب الأرض وكل دول الوطن العربي، دون مبرر إلا التوسع والسعي لتحقيق حلم دنس هو حلم إمبراطورية صهيونية. طوال تلك السنين لم تتمكن إسرائيل من العيش في سلام أو استقرار، ويبقى شعبها قلقًا على مدار الساعة من الغارات وقتل الآخرين ومصرعهم هم أنفسهم. ماذا تجني إسرائيل من حروبها؟ هل تحقق انتصارات مثمرة أم أن كل معاركها ونتائجها تتحول إلى غبار تذروه الرياح؟

مشهد طويل من الحروب تتقاطع فيه خيوط أمريكية بإسرائيلية طوال تلك الفترة، تنسج لوحة دموية في منطقة الشرق الأوسط. حروب شُنت دون مبرر باستخدام آلة حربية لا تتوقف عن الدوران. 78 عامًا فقط، لكنها حملت من الحروب ما لم تحمله دول عمرها قرون. لماذا؟ وما الثمن الحقيقي لكل هذا الدم؟

في عام 1967 حققت إسرائيل نصرًا خاطفًا على ثلاثة جيوش عربية في أقل من أسبوع. كان الانتصار مذهلًا بكل المقاييس؛ احتلت سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس. بدا وكأن المشروع الاستعماري الجديد في المنطقة انتصر إلى الأبد. لكن التاريخ يسخر أحيانًا من المنتصرين. هذا الانتصار وضع بذور الهزيمة المستقبلية. فبعد هذا النصر فقدت إسرائيل الدافع لحل القضية الفلسطينية، وأصبحت أسيرة أراضٍ احتلتها وبشر قهرتهم. تحول الصراع من عرب ضد إسرائيل إلى إسلام سياسي ضد الغرب، وولدت إيران الخمينية من رحم هذا التحول. انتصرت إسرائيل في معركة، لكنها زرعت بذور أعداء جدد أقوى وأكثر إصرارًا.

تخوض إسرائيل حروبًا تقليدية في زمن ما بعد الحداثة. حروبها تعتمد على القوة الجوية والتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي. وفي كل مرة تعلن النصر. لكن ماذا يعني النصر في عصر لا ينتصر فيه أحد حقًا؟

في الحرب المشتركة بينها وبين أمريكا ضد إيران، استُهدفت قيادات الدولة الإسلامية ومنشآتها العسكرية، وقُتل المرشد الأعلى علي خامنئي. كان الهدف المعلن هو قطع رأس الأفعى وإنهاء التهديد الوجودي الإيراني. بدا الأمر وكأنه ضربة قاصمة قد تعيد تشكيل المنطقة.

لكن بعد أيام قليلة ردت إيران بصواريخها على قواعد أمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين. أُغلق مضيق هرمز، واتسعت رقعة الحرب لتشمل سبعة أطراف بدلًا من اثنين. تحول ما بدأ كضربة محدودة إلى حرب إقليمية مفتوحة. هنا تكمن المفارقة التاريخية التي أشار إليها كاتب كوري كبير في مقال له عن لعنة المنتصر. ففي الشرق الأوسط تعاني إسرائيل من لعنة غريبة: كلما انتصرت، خلقت أعداء جددًا. كلما وسعت نفوذها، زادت كراهية الشعوب لها. كلما حققت مكاسب عسكرية، خسرت في المعركة الأعمق والأهم؛ معركة القلوب والعقول. هكذا قال الكاتب الكوري.

حرب 1967 أوجدت إيران الثورية. غزو لبنان 1982 أوجد حزب الله. الحرب على العراق 2003 أوجدت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). كل انتصار يلد وحشًا جديدًا، وكل نصر يحمل في رحمه هزيمة مستقبلية. إسرائيل اليوم، رغم تحالفها الاستراتيجي غير المسبوق مع أمريكا، تجد نفسها في عزلة متزايدة. استطلاعات الرأي الأمريكية تُظهر لأول مرة منذ 25 عامًا تعاطفًا مع الفلسطينيين أكبر من الإسرائيليين. ستة من كل عشرة ناخبين أمريكيين يعارضون استمرار المساعدات العسكرية لإسرائيل. حتى الجمهوريون بدأوا يتساءلون عن قيمة هذه العلاقة.

الأجيال الشابة في الغرب تنظر إلى إسرائيل بعيون مختلفة. لم تعد ترى الدولة اليهودية كصديق صغير يحتاج إلى الحماية، بل كقوة احتلال تمارس التطهير العرقي في القرن الحادي والعشرين. وهذا التحول في الوعي الجمعي الغربي أخطر ما يواجه المشروع الصهيوني.

تخوض إسرائيل حربها ضد إيران بالاشتراك الكامل مع الجيش الأمريكي. للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية تخوض أمريكا حربًا مشتركة بهذا المستوى من التكامل مع حليف. لكن هذا التكامل العسكري يتزامن مع تباعد شعبي غير مسبوق بين الأمريكيين والإسرائيليين. الجنرالات يقتربون بينما الشعوب تتباعد. هذا التناقض سيؤدي حتمًا إلى شرخ استراتيجي في العلاقة.

إن قوة إسرائيل وقدراتها العسكرية المتطورة ستكون نقطة ضعفها؛ فأمريكا تقلق من هذه القوة، والعرب ضد هذه القوة ولو بعد حين، وهذا يعمق عزلتها أكثر. إسرائيل تريد شرق أوسط أحادي القطب تكون هي مركزه بدعم أمريكي كامل. لكن إيران دولة ضخمة بجغرافيا وعرة وشعب يرفض الهيمنة الخارجية. تحقيق هذا الحلم يتطلب غزوًا بريًا مستحيلًا.

إن انتصارات إسرائيل عقيمة. تنتصر في معركة لكنها تخسر الحرب. تكتسب أرضًا لكنها تخسر المستقبل. تردع الأعداء لكنها تخلق أعداء جددًا. تعمق التحالف مع أمريكا لكنها تفقد تعاطف الشعب الأمريكي. العالم ليس في صف الكيانات الاستعمارية. الشعور بالظلم لا يموت. الذاكرة الجمعية للشعوب العربية والإسلامية أطول من عمر أي دولة، حتى لو دعمتها أقوى إمبراطورية في التاريخ.

عندما تنتهي هذه الحرب، كما انتهت كل الحروب السابقة، ماذا سيبقى؟ دماء، دمار، كراهية متراكمة، وأجيال جديدة من الأعداء تنتظر دورها في المعركة القادمة.

هذا ما يعلمنا أن النصر الحقيقي في السلام الذي ترفضه، وليس في الحرب التي تنتصر فيها.