تداعيات التعامل باليوان دوليا
عندما تعلن إيران في خضم حربها ضد أمريكا عن التعامل باليوان الصيني لمن يرغب في المرور عبر مضيق هرمز، فإنها لا تقصد مجرد التبادل التجاري، بل واحدة من الأدوات العميقة التي تشكل بنية القوة في العالم. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكل النظام الاقتصادي الدولي بهيمنة الدولار الأمريكي، وهي الهيمنة التي لم تكن منفصلة عن صعود قوة الولايات المتحدة السياسية والعسكرية. أصبح الدولار لغة الاقتصاد العالمي، وأداة نفوذ جبارة تستخدمها واشنطن في فرض العقوبات وتوجيه النظام المالي العالمي عبر مؤسسات كبرى وشبكات مصرفية عابرة للقارات.
لذلك تكتسب مسألة التعامل باليوان الصيني بعدًا يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة الاستراتيجية. فالصين تدرك أن النفوذ الدولي لا يكتمل ما لم يكن مدعومًا بعملة قادرة على الحركة في التجارة العالمية. لذلك سعت حثيثًا لتوسيع استخدام اليوان في تسويات الطاقة والتجارة الدولية، خاصة مع دول آسيوية وشرق أوسطية، ومنها بالطبع إيران التي وجدت في هذا المسار منفذًا لتخفيف الضغوط الناتجة عن العقوبات الغربية.
إن التعامل باليوان لا يغير نتائج الصراع العسكري مباشرة، فالحروب تحسم في النهاية بميزان القوة الصلبة من جيوش وتحالفات وتكنولوجيا عسكرية. لكن العملات تؤثر فيما هو أكثر عمقًا واستدامة، قدرة الدول على الصمود الاقتصادي خلال الصراع. فالدولة التي تستطيع بيع نفطها أو شراء احتياجاتها خارج النظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن تقل درجة خضوعها لأدوات الضغط الاقتصادي الأمريكية. لذلك يصبح اليوان في نظر بعض الدول أشبه بممر بديل في منظومة مالية عالمية اعتادت السير في طريق واحد.
هذا التحول في الاقتصاد العالمي لا يحدث فجأة، لأن هيمنة الدولار ليست مجرد قرار سياسي، بل شبكة هائلة من الاعتماد المتبادل. فمعظم احتياطيات البنوك المركزية في العالم ما زالت مقوَّمة بالدولار، وأغلب التجارة العالمية تمر عبر النظام المالي المرتبط به. كما أن الأسواق المالية الأمريكية ما تزال الأعمق والأكثر سيولة في العالم، وهو ما يمنح الدولار جاذبية يصعب منافستها في المدى القريب.
ما يحدث اليوم يشبه حركة بطيئة في طبقات النظام الاقتصادي العالمي. دول عديدة بدأت تفكر في تنويع أدواتها النقدية، سواء عبر التعامل باليوان أو بعملات محلية في التجارة الثنائية مثل بريكس، حيث يتزايد الحديث عن تقليل الاعتماد على الدولار في المبادلات بين أعضائه. هذا المسار لا يعني بالضرورة انهيار النظام القديم، لكنه يشير إلى بداية تعددية نقدية قد تتشكل تدريجيًا على مدى عقود. التاريخ يخبرنا بأن العملات الكبرى تنشأ عادة في ظل قوة اقتصادية إنتاجية ضخمة، ثم تتكرس بفضل النفوذ السياسي والعسكري. فهل يمكن لليوان أن ينافس الدولار؟ وهل سيستمر الاقتصاد الصيني في النمو بدرجة تسمح له ببناء شبكة نفوذ مالي عالمية تقارن بالشبكة التي بنتها الولايات المتحدة طوال سبعة عقود؟
إن تحول العملة إلى أداة قوة عالمية يحتاج إلى ثقة دولية عميقة، وإلى أسواق مالية مفتوحة وشفافة، وإلى مؤسسات قادرة على حماية الاستثمارات عبر الحدود. وهذه الشروط ما تزال قيد التشكل في التجربة الصينية، رغم قوتها الاقتصادية المتزايدة.
التعامل باليوان في سياق الصراعات الحالية يمثل خطوة في مسار أطول نحو إعادة توزيع القوة الاقتصادية العالمية، لكنه ليس بعد نقطة التحول الكبرى. ما يحدث اليوم أقرب إلى تشقق بطيء في جدار النظام النقدي الأحادي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وقد لا يؤدي هذا التشقق إلى سقوط الجدار، لكنه قد يحوله مع الزمن إلى نظام أكثر تعددية، حيث تتقاسم عدة قوى اقتصادية على رأسها أمريكا والصين النفوذ المالي العالمي.
إن تحقق ذلك لن يكون التغير اقتصاديًا فحسب، بل سيمتد أثره إلى موازين السياسة والتحالفات والحروب. فالقوة العسكرية في النهاية تستند إلى اقتصاد قادر على تمويلها، والاقتصاد بدوره يستند إلى عملة يثق بها العالم. وحين تتغير خرائط الثقة النقدية، تبدأ خرائط القوة في العالم بالتحرك معها ببطء، كما تتحرك الصفائح الجيولوجية في أعماق الأرض قبل أن يُعاد رسم شكل القارات.