حمزة العيلي.. «الفذلوك» الذي سيصلح المنظومة

«روحي فدا النص».. مشهد أيقوني من مسلسل «النُّص» في جزئه الأول، قدمه حمزة العيلي بأداء أبكانا داخل عمل يفترض أنه كوميدي، لكنه نجح في تحويل لحظة عابرة إلى حالة إنسانية كاملة.


قبل رمضان بأيام، دار بيني وبين أحد المؤثرين في مجال الإنتاج نقاش طويل حول أزمة الدراما في مصر. قلت له بوضوح إن الأزمة ليست في الكتابة ولا في الموهبة، بل في الفكر الإنتاجي نفسه. وخلال الحديث جاء ذكر حمزة العيلي، فجاء التعليق صادماً ومختزلاً: «ده فذلوك ونمكي». يومها لم أجادل كثيراً، لأنني كنت على يقين أن التجربة وحدها كفيلة بالرد.


اليوم، وبعد ما يقدمه على الشاشة، يبدو هذا الحكم كأنه جزء من مشكلة أوسع، لا تخص ممثلاً بعينه بقدر ما تكشف عن خلل في آليات الاختيار والتقييم داخل الصناعة. فحمزة العيلي ليس موهبة وُلدت فجأة، بل نموذج لفنان ظل لسنوات طويلة يعمل في الظل، ينتظر فقط السياق الصحيح الذي يسمح له بأن يكون في مكانه الطبيعي.


أول مرة لفت الانتباه كانت في مشهد صغير في فيلم «إكس لارج»، بدور السلفى المزعج، قدم فيه شخصية كانت هي الأفضل في ذلك العمل. منذ تلك اللحظة كان واضحاً أننا أمام ممثل يمتلك أدوات ووجهة نظر، لكنه احتاج إلى ما يقرب من خمسة عشر عاماً، مليئة بالإحباطات والتهميش، في ظل صناعة تفسح المجال أحياناً لنجوم الصدفة، حتى يصل إلى بطولة عمل ثقيل مثل «حكاية نرجس».


لفهم هذه الرحلة، لا بد من العودة إلى الجذور. حمزة العيلي ابن المسرح قبل أن يكون ابن الكاميرا. تخرج في مركز الإبداع الفني بدار الأوبرا المصرية بعد سنوات من الدراسة الجادة، ومر بتجارب مبكرة في مسرح الجامعة وقصور الثقافة. هذه الخلفية ليست مجرد تفصيلة في السيرة الذاتية، بل هي المفتاح الحقيقي لفهم أدائه.


فالممثل الذي يتكون على خشبة المسرح يكتسب وعياً كاملاً بالجسد كأداة تعبير، ويفهم أن الأداء ليس صوتاً أو نظرة فقط، بل إيقاع شامل. هذا ما يظهر بوضوح في كل أدواره، حيث يبدو دائماً مسيطراً على حضوره، مدركاً لمتى يتحرك ومتى يثبت، ومتى يصمت فيقول أكثر مما يمكن أن تقوله الجمل.


في الكوميديا، يقدم العيلي نموذجاً نادراً للممثل الذى يفهم طبيعة هذا الفن المعقد. الكوميديا الحقيقية ليست في الإفيه، بل في البناء، في توقيت إلقاء الجملة، وفي الجدية المطلقة في الأداء. في «مطعم الحبايب»، لم يكن يطارد الضحك، بل بنى شخصية «حسن هيلتون» من الداخل، فجاءت الكوميديا كنتيجة طبيعية. وفى «الكبير أوي»، لم يكتفِ بأن يكون جزءاً من الموقف الكوميدي، بل أضاف إليه أبعاداً إنسانية جعلت الضحك ممتزجاً بالتعاطف. وفي «خالد نور وولده نور خالد» كان هو الوحيد الشخصية الكوميدية في مسلسل كان خالياً من الكتابة.


وفي «النُّص»، خاصة في شخصية «درويش»، قدم نموذجاً آخر لوعيه بأدواته، من خلال قدرته على التنقل بين حالات نفسية متعددة داخل المشهد الواحد. في مشهد المستشفى الشهير، بدا وكأنه يؤدى أكثر من شخصية في آن واحد، دون أن يفقد الإيقاع أو التماسك. هذا النوع من الأداء لا يعتمد فقط على الموهبة، بل على تدريب طويل وفهم عميق لبناء الشخصية وإدارة الانفعال.


هذه القدرة على خلق توازن بين الطرافة والصدق الإنساني هي ما تضعه ضمن قلة من الممثلين الذين يتقنون الكوميديا بمعناها العميق، لا السطحي.


لكن التحول الأهم في مسيرته جاء مع الأدوار الدرامية الصعبة، وتحديداً في «حكاية نرجس». هنا قدم شخصية «عوني»، وهي من الشخصيات التي تبدو بسيطة من الخارج، لكنها شديدة التعقيد من الداخل. رجل يحمل حباً قديماً، وعجزاً مزمناً، وشعوراً خفياً بالنقص، وهدوءًا يخفي توتراً دائماً. ما فعله «العيلي» في هذه الشخصية لا يعتمد على الانفجار، بل على ما قبله، على التردد، على النظرة، على الصمت. يجعل المشاهد يقرأ ما لا يقال، ويشعر بثقل ما تحمله الشخصية دون أن تبوح به. هذه هي المنطقة الأصعب في التمثيل، حيث لا توجد مساحة للمبالغة، بل فقط للصدق.


ما يميز حمزة العيلي أيضاً أنه لا ينتظر مساحة ليترك أثراً، بل يصنع هذه المساحة بنفسه. قد يظهر في مشهد أو اثنين، لكنك تخرج وأنت تشعر أنك تعرف هذه الشخصية جيداً، وكأن لها تاريخاً لم يُكتب. هذه القدرة على الإضافة إلى النص، لا الاكتفاء بتنفيذه، هي ما تفسر حضوره المختلف. وهو كذلك يمتلك حكمة نادرة، تجعله يعرف متى يتقدم ومتى يتراجع، فيخدم العمل بدلاً من أن يستعرض نفسه داخله، وهي سمة لا تتوفر إلا لدى الممثلين الناضجين.


نجاح «حكاية نرجس» لم يكن صدفة فردية، بل نتيجة تلاقي عناصر واعية، نص مكتوب بعمق، مخرج يفهم ممثليه، وممثلون لا يتعاملون مع العمل كمساحة للنجومية، بل كمساحة للفن. في هذا السياق، لم يعد حمزة العيلي مجرد ممثل جيد، بل أصبح واحداً من أهم ممثلي جيله، ممن يمكن الاعتماد عليهم في أي مشروع جاد.


اللافت أن كثيراً من ردود الفعل على العمل جاءت بنفس الدهشة: «فاكرين أيام ما كان عندنا ممثلين؟». هذا السؤال البسيط يكشف حجم الفجوة التي صنعتها سنوات من الأداء السهل. في المقابل، يقدم «العيلي» نموذجاً يعيد تعريف التمثيل بوصفه إحساساً يعاش لا كلاماً يُلقى في المشهد بدون أي إحساس. ممثل يجعلك تنسى اسمه وتتذكر الشخصية فقط.


حمزة العيلي لم يتغير فجأة، ولم يُكتشف حديثاً. هو فقط وصل إلى مكانه الطبيعي بعد رحلة طويلة من العمل الصامت، والتعب الحقيقي، والإيمان بما يفعل. وربما لهذا يبدو حضوره مختلفاً، لأنه لا يعتمد على الضجيج، بل على التراكم. في زمن يتنافس فيه كثيرون بالصوت العالي، يختار هو طريقاً أكثر هدوءًا، لكنه أكثر عمقاً. طريق ممثل لا يمر على الشخصية، بل يسكنها، هو ذلك الممثل «نمبر 1» في قلوبنا وليس على السوشيال ميديا.


ووجود حمزة العيلي وعلي صبحي وتامر نبيل ورنا خطاب وفاتن سعيد وميشيل ميلاد ورضوى جودة وعمر شريف وعصام عمر وسلمى أبوضيف وروان الغابة وعشرات غيرهم من النجوم الحقيقيين، هؤلاء (حمزة وفرقته من الموهوبين) نجحوا فساعدونا على تغيير المنظومة، وإصلاح ما فسد طوال سنوات.