قراءة لحديث وزير الخارجية
جاء حديث وزير الخارجية المصرى الدكتور بدر عبدالعاطى إلى رؤساء التحرير والكتاب الصحفيين والإعلاميين فى توقيت شديد الأهمية، تمر فيه منطقة الشرق الأوسط بالكثير من الأحداث والتحديات التى تهدد أمن واستقرار المنطقة بالكامل، وتخبرنا الأحداث المتلاحقة بأن هناك تغييراً كبيراً وعميقاً بالمنطقة.
وبعد الاستماع لما قاله الدكتور بدر عبدالعاطى، خلال الجلسة، تستطيع أن تتعرف على الطريقة التى يفكر بها وزير الخارجية المصرى، فى وقت تلعب فيه الدبلوماسية المصرية دوراً رئيسياً للحفاظ على الأمن القومى المصرى والعربى فى وقت واحد، بالإضافة للمجهود الكبير الذى بذلته خلال السنوات القليلة الماضية منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023.
حديث وزير الخارجية المصرى يكشف عن عقل لا يكتفى بمتابعة الأزمة، بل يسعى لإدارتها ومنع انفلاتها، فالرجل يتحدث من موقع مَن يرى أن مصر ليست مجرد طرف فى الإقليم، بل نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها فى لحظة سيولة واضطراب غير مسبوقة.
فى كل جملة تقريباً هناك إدراك بأن الخطر الحقيقى لا يكمن فى الصراعات القائمة بحد ذاتها، بل فى احتمالية تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود السيطرة، وهو ما يفسر التحذير المتكرر من أن أى تصعيد لن يظل محصوراً جغرافياً، بل سيمتد بسرعة فى إقليم مثقل أصلاً بالأزمات.
هذا التقدير يعكس قناعة راسخة داخل الدوائر المصرية بأن المنطقة تقف بالفعل على حافة لحظة انفجار كبرى، وأن أى شرارة، سواء فى إيران أو لبنان أو غيرهما، قد تفتح أبواب سيناريو متسلسل من الحروب المتشابكة والمعقدة.
وفى هذا السياق، يظهر بوضوح أن التحرك المصرى يقوم على عقيدة ثابتة، عنوانها «حماية الدولة الوطنية ومنع تفكيكها»، وهى نقطة تتكرر بشكل لافت فى حديث الدكتور بدر عبدالعاطى، عبر التأكيد على رفض التدخلات الخارجية، ورفض فرض تصورات من قوى غير عربية، بما يعكس تخوفاً عميقاً من تكرار نماذج الانهيار التى شهدتها المنطقة خلال العقد الماضى، حيث تحولت بعض الدول إلى ساحات مفتوحة للصراع الإقليمى والدولى.
هذا التوجه لا ينفصل عن إدراك بأن تفكك الدول أخطر على المدى الطويل من أى مواجهة عسكرية مباشرة، لأنه يخلق فراغاً أمنياً مزمناً يصعب احتواؤه، ويمتد تأثيره إلى دول الجوار وفى مقدمتها مصر.
اللافت أيضاً أن الدبلوماسية المصرية، كما يعكسها خطاب وزير الخارجية المصرى، لا تتحرك فى مسار واحد، بل عبر شبكة معقدة من القنوات المتوازية، تشمل التنسيق العربى المكثف، خاصة مع دول الخليج والأردن، والعمل داخل الأطر متعددة الأطراف كجامعة الدول العربية، إلى جانب تواصل مباشر مع القوى الدولية الكبرى، بما فى ذلك الولايات المتحدة، وحتى مع أطراف الصراع نفسها مثل إسرائيل وإيران، وهو ما يكشف عن نمط براجماتى يعتمد على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع الجميع دون استثناء، بهدف منع أى طرف من الانفراد بصياغة المشهد أو فرض أمر واقع جديد. هذه الدبلوماسية متعددة المسارات تعكس فهماً بأن إدارة الأزمات فى هذا التوقيت لا يمكن أن تتم عبر محور واحد، بل تحتاج إلى توازن دقيق بين الضغط السياسى، والتحرك الجماعى، والوساطة غير المعلنة.
فى الوقت نفسه، يتضح أن «القاهرة» لا تتحرك فقط لإطفاء الحرائق، بل تحاول طرح إطار أوسع لما يمكن أن تكون عليه ترتيبات ما بعد الأزمات، من خلال التأكيد على مجموعة من المبادئ الحاكمة، مثل احترام السيادة، وعدم استخدام القوة، والحفاظ على مؤسسات الدولة، ومنع الانتشار النووى، وهى محاولة لصياغة تصور إقليمى بديل فى مواجهة احتمالات الفوضى أو إعادة تشكيل المنطقة وفق إرادات خارجية. هذا الطرح يكشف عن رغبة مصرية فى أن تكون جزءاً من هندسة النظام الإقليمى الجديد، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
وعلى مستوى إدارة الأزمات الجارية، يظهر أن هناك توجهاً واضحاً للدولة المصرية لتفكيك بؤر التوتر قبل أن تتصل ببعضها البعض، من خلال الدفع نحو هدنة إنسانية فى السودان يمكن أن تتحول إلى مسار سياسى، والتحرك لمنع انزلاق لبنان إلى حرب شاملة، والتحذير من تداعيات التصعيد مع إيران، وهى مقاربة تقوم على منع تزامن الانفجارات، لأن الخطر الأكبر من وجهة النظر المصرية ليس فى كل أزمة على حدة، بل فى احتمال اشتعالها جميعاً فى وقت واحد، بما يخلق وضعاً خارج نطاق السيطرة.
ولا يغيب البُعد الاقتصادى عن هذا التصور، بل يبدو حاضراً فى صميمه، حيث يشير الحديث إلى تأثيرات مباشرة للتصعيد على أسعار الطاقة وإيرادات قناة السويس، وهو ما يعكس إدراكاً بأن الأمن القومى لم يعد مفهوماً عسكرياً أو سياسياً فقط، بل يرتبط بشكل وثيق بالقدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، وهو ما يفسر الإشارة إلى إجراءات الترشيد والتواصل مع المؤسسات المالية الدولية، فى محاولة لضمان استقرار داخلى يسمح بمواصلة الدور الخارجى دون اهتزاز.
وفى النهاية، تستطيع أن تستخلص رؤية الدولة المصرية فيما يحدث حالياً بمنطقة الشرق الأوسط، ومخاوفها فى: «رؤية مصرية» تقوم على ثلاث دوائر متداخلة: منع الحرب الشاملة، والحفاظ على الدولة الوطنية، وضمان دور عربى قوى وفاعل فى صياغة مستقبل الإقليم، مقابل ثلاثة «مخاوف» رئيسية، تتمثل فى اندلاع مواجهة إقليمية واسعة، أو تفكك الدول إلى كيانات هشة، أو فرض ترتيبات جديدة من خارج المنطقة، وبين هذه المعادلة تتحرك القاهرة بدبلوماسية نشطة تحاول كسب الوقت، وتخفيف التصعيد، ومساندة أشقائها العرب، والتى تدرك تماماً أن أمنها القومى مرتبط بأمنهم وسلامتهم مهما حاول البعض زرع الفتن بين الأشقاء.