مسجد «سادات قريش» ببلبيس.. 14 قرناً شاهدة على بطولات الفتح الإسلامي
مسجد «سادات قريش» ببلبيس.. 14 قرناً شاهدة على بطولات الفتح الإسلامي
وسط شارع القيسارية بمدينة بلبيس يقف مسجد «سادات قريش» في قلب مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية شاهداً حياً على صفحات مضيئة من تاريخ الإسلام في مصر، حيث تختلط قدسية المكان بعبق التاريخ الذي يمتد لأكثر من أربعة عشر قرناً، فبين جدرانه العتيقة وأعمدته التي شهدت تعاقب العصور، يستشعر الزائر روح الفتح الإسلامي الأولى، وكأن صدى خطى الصحابة والتابعين ما زال يتردد في أرجائه حتى اليوم.
مسجد سادات قريش
قال الدكتور مصطفى شوقي، مدير عام الآثار بمحافظة الشرقية، إنه لا يعد مسجد سادات قريش مجرد بناء أثري أو معلم معماري قديم، بل هو صفحة حية من ذاكرة التاريخ الإسلامي، ومعلَم يروى بطولات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فخلّدوا أسماءهم في أرض بلبيس، لذلك ظل المسجد عبر القرون رمزاً للعراقة والروحانية، ومنارة دينية يتوافد إليها المصلون والزائرون، ليستلهموا من أجوائه سكينة الإيمان وعظمة التاريخ.
وتابع قائلاً: يعتبر مسجد سادات قريش أحد أقدم المساجد التاريخية في مصر، إذ يعود تاريخه إلى بدايات الفتح الإسلامي لمصر في القرن الأول الهجرى، كما أجمع المؤرخون من عرب ومستشرقين على أن الجيش الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص قاتل الجيش الرومانى في بلبيس وهزمهم، وتأسس المسجد على يد عمرو بن العاص عام 18هـ.
وأشار «شوقى» إلى أنه يُقال إن الروم خسروا ألف قتيل وثلاثة آلاف أسير، لافتاً إلى أن الطبري وابن الأثير ذكرا أن القبائل العربية التي استقرت في بلبيس، ولم تتابع سير الجيش الإسلامي إلى حصن بابليون، أقامت في المكان الذي استُشهد فيه سادات قريش والعرب.
استشهاد 250 مقاتلاً من المسلمين
وأوضح أن سادات قريش الذين استُشهدوا في بلبيس أثناء فتح عمرو بن العاص لمصر، منهم عدد من الصحابة، حيث استُشهد في المعركة ضد الرومان نحو 250 مقاتلاً من المسلمين، من بينهم 40 صحابياً و210 من التابعين، وجميعهم من قبيلة قريش، وهو السبب في تسمية المسجد بـ«سادات قريش» تكريماً لهم.
ولفت مدير آثار الشرقية إلى أن المسجد يمتاز بتصميم مستطيل الشكل، يشمل ثلاثة صفوف من الأعمدة الرخامية وأربعة أروقة موازية لجدار القبلة، وتمثل الأعمدة التي يبلغ عددها نحو 18 عموداً تاريخاً متنوعاً، حيث تضم تيجاناً تعكس عصوراً مختلفة مثل الفرعوني واليوناني والبطلمى، ويُلاحظ أن بعض الأعمدة في القبلة تعود إلى العصر الفرعونى وتحمل نقوشاً دينية، كما تم طلاؤها بطبقة فسفورية كانت تضىء عند حلول الظلام قبل أن تختفي تدريجياً نتيجة عمليات الترميم، ويبلغ طول المسجد نحو 3000 متر مربع، ويعلو مدخله سلم مكون من 16 درجة، ويُرجح أنه أقيم على بقايا قصر روماني قديم كان مقراً للحكم.
وقال «شوقى» إن مئذنة المسجد أعيد بناؤها في عهد الأمير مصطفى الكاشف عام 1002هـ، وتتكون من قاعدة مربعة، أعلاها طبقة مثمنة، ثم طبقة أسطوانية كانت تنتهى في الأصل بقمة تشبه القلة، وقد تعرضت لاعتداءات وعوامل الزمن مما أدى إلى تهدم قمتها، لكن تسجيلها ضمن الآثار الإسلامية عام 1951م ساعد في الحفاظ على قيمتها التاريخية.
من جانبها، أكدت مديرية الأوقاف بالشرقية أن دور المسجد لم يقتصر على كونه معلماً تاريخياً، بل ظل حياً ومؤثراً في حياة أهالي بلبيس، إذ يستضيف ندوات واحتفالات دينية تحت رعاية وزارة الأوقاف، ويضم مقارئ متعددة لتحفيظ القرآن وتعليم القراءة الصحيحة، إلى جانب الكتاتيب التي يدرس فيها الأطفال القرآن والخط العربي، كما يضم المسجد مجلس علم وذكر لعلماء الأزهر، ويحتوى على منبر ثابت.
وأضاف ماجد عبدالحفيظ: «خلال رمضان، المسجد يكتظ بالمصلين لأداء التراويح، والأجواء الروحانية تزيد من خشوعي وتدفعني للمشاركة في حلقات القرآن والذكر».
وأشار فريد صادق إلى أن المسجد ليس مجرد مكان للصلاة، بل هو مركز اجتماعى ودينى يجمع أهل المدينة: «أحضر هنا مع أولادي لحفظ القرآن، كما أشارك في الندوات الدينية التي تقيمها وزارة الأوقاف، العمارة القديمة والجدران المزخرفة تذكّرنا بعظمة الفتح الإسلامي وببطولات الصحابة، وكل مرة أدخل المسجد أشعر بالارتباط بالقرون الماضية».