بين الإرهاب والمؤامرة.. محطات خطيرة في مسيرة الإخوان منذ 1928 حتى اليوم
بين الإرهاب والمؤامرة.. محطات خطيرة في مسيرة الإخوان منذ 1928 حتى اليوم
يعد تنظيم الإخوان الإرهابي منذ تأسيسه عام 1928 على يد حسن البنا في مدينة الإسماعيلية، من أكثر الكيانات إثارة للجدل في التاريخ السياسي المصري والعربي، فالتنظيم الذي بدأ في 22 مارس من ذات العام كحركة دعوية إصلاحية تهدف إلى إحياء الهوية الإسلامية، سرعان ما انخرط في العمل السياسي، ليدخل مسارًا معقدًا تشابكت فيه الدعوة مع السلطة، والسياسة مع العنف، ما جعل تاريخه مليئًا بمحطات خطيرة ومثيرة للجدل.

إرهاب التنظيم الخاص
في الثلاثينيات والأربعينيات، شهد التنظيم تحولات جوهرية، حيث لم يكتفِ بالنشاط الاجتماعي والدعوي، بل اتجه نحو التنظيم السياسي، وأنشأ ما عُرف بـ"التنظيم الخاص"، وهو جناح سري ذو طابع عسكري، وقد تأسس هذا التنظيم المسلح في أواخر الثلاثينيات بهدف تنفيذ عمليات نوعية، ما مثّل نقطة تحول فارقة في مسار الجماعة، إذ نقلها من العمل المدني إلى العمل شبه المسلح، بحسب ما وثق في الوثائق الرسمية.
ومع نهاية الأربعينيات، ارتبط اسم التنظيم بعدد من حوادث العنف والاغتيالات السياسية، التي شكلت أخطر محطات تاريخه المبكر، ومن أبرز تلك الوقائع اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي عام 1948، إضافة إلى اغتيال القاضي أحمد الخازندار، وهي حوادث أثارت صدمة كبيرة في المجتمع المصري، وأدت إلى تصاعد التوتر بين التنظيم الإرهابي والدولة، كما وُجهت اتهامات لأفراد من التنظيم بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا، وهو ما رسخ صورة ارتباط بعض عناصرها بالعنف السياسي.
تلك الأحداث دفعت الدولة المصرية آنذاك إلى اتخاذ إجراءات حاسمة، كان أبرزها قرار حل التنظيم ومصادرة ممتلكاته، ليدخل بعدها في صدام مفتوح مع الدولة، ولم تتوقف حلقات الصراع، حيث تعرض مؤسس التنظيم حسن البنا للاغتيال عام 1949 في ظروف غامضة، لتبدأ مرحلة جديدة من التوترات والاتهامات المتبادلة، عززت من صورة الإخوان كتنظيم يعيش على حافة الصراع الدائم مع الدولة.
ومع مرور العقود، لم ينفصل التنظيم عن الجدل المرتبط بالعنف، رغم محاولاته المتكررة لتقديم نفسها كحركة سياسية سلمية، فقد أشار عدد من الباحثين إلى أن أدبيات التنظيم وأفكاره لعبت دورًا في تشكيل تيارات أكثر تشددًا لاحقًا، وأنه مثل في بعض التحليلات، أرضية فكرية ساهمت في ظهور تنظيمات متطرفة في المنطقة.

حادث المنشية وسيد قطب
وتُعد حادثة المنشية عام 1954 واحدة من أخطر المحطات في تاريخ الصدام بين الإخوان والدولة، حيث تعرض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لمحاولة اغتيال أثناء إلقائه خطابًا جماهيريًا في مدينة الإسكندرية، وأُطلقت عدة أعيرة نارية باتجاهه، إلا أنه نجا منها، في واقعة هزّت الرأي العام المصري والعربي على حد سواء، وأعقب الحادث حملة أمنية واسعة ضد التنظيم، حيث تم اعتقال الآلاف من أعضائه، وتقديم عدد من قياداته إلى المحاكمة، مع اتهامات مباشرة للتنظيم بالتخطيط والتنفيذ، وقد مثلت هذه الواقعة نقطة تحول حاسمة، إذ دخل التنظيم بعدها مرحلة من الحظر الكامل والمواجهة المفتوحة مع الدولة، استمرت آثارها لعقود لاحقة.
وبعد أحداث 1954، برز اسم سيد قطب كأحد أبرز منظري التنظيم الإرهابي خلال فترة الستينيات، حيث لعب دورًا محوريًا في إعادة صياغة الخطاب الفكري داخل الإخوان، فخلال فترة سجنه، كتب مؤلفات كان لها تأثير واسع، أبرزها كتاب "معالم في الطريق"، الذي طرح فيه أفكارًا اعتبرها كثير من الباحثين تحولًا نحو التشدد، خاصة فيما يتعلق بمفهوم "الحاكمية" ورفض الأنظمة القائمة، وقد أثارت هذه الأفكار جدلًا كبيرًا، إذ رأى منتقدوه أنها ساهمت في إلهام تيارات أكثر تطرفًا في العقود اللاحقة، وفي عام 1966، أُعدم قطب بعد اتهامه بالتورط في مخطط لقلب نظام الحكم، لتتحول أفكاره لاحقًا إلى مرجعية فكرية لدى عدد من التنظيمات الإرهابية، وفق تحليلات أكاديمية متعددة.
التنظيم الدولي
ومن جهة أخرى، سعى تنظيم الإخوان إلى توسيع نفوذه خارج الحدود المصرية، وهو ما تجسد في ما يُعرف بـ"التنظيم الدولي"، الذي تشكّل تدريجيًا منذ الخمسينيات والستينيات مع انتشار عناصر التنظيم في عدد من الدول العربية والأوروبية، وقد لعبت موجات الهجرة السياسية، خاصة بعد صدامها مع الدولة في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، دورًا مهمًا في نقل أفكار التنظيم إلى الخارج، حيث تم تأسيس كيانات ومراكز إسلامية مرتبطة فكريًا بالتنظيم في دول عدة.
ويُنظر إلى هذا التنظيم، في العديد من التحليلات، باعتباره إطارًا تنسيقيًا يربط بين فروع التنظيم عالميًا، سواء على المستوى الفكري أو التنظيمي، مع وجود هياكل غير معلنة لإدارة هذا الامتداد، كما أُثيرت تساؤلات حول دوره في دعم الإخوان سياسيًا وإعلاميًا وماليًا خلال الأزمات، خاصة بعد 2013، حيث أصبحت القيادات الموجودة خارج مصر أكثر تأثيرًا في توجيه الخطاب العام.

الطريق للحكم والإرهاب
وفي العصر الحديث، خاصة بعد أحداث 2011 في مصر، عاد التنظيم إلى المشهد السياسي بقوة، ووصل إلى الحكم لفترة قصيرة، قبل أن يدخل مجددًا في صدام حاد مع مؤسسات الدولة، حيث تم تصنيفه كتنظيم إرهابي في مصر، وصدرت بحق عدد من قياداته أحكام قضائية، خاصة ما التصق بالتنظيم في أعقاب فض اعتصامي رابعة والنهضة، من تورط مباشر في موجة من العمليات الإرهابية التي استهدفت مؤسسات الدولة، من بينها تفجيرات مديريات الأمن واغتيالات استهدفت ضباط الجيش والشرطة.
ومن أبرز هذه الأحداث، اغتيال النائب العام هشام بركات عام 2015 في تفجير استهدف موكبه بالقاهرة، وهي العملية التي اتهمت السلطات عناصر مرتبطة بالإخوان بالوقوف وراءها، كما شهدت البلاد سلسلة من التفجيرات التي استهدفت كمائن أمنية في شمال سيناء، وعمليات نوعية ضد شخصيات عامة، إضافة إلى محاولات استهداف منشآت حيوية.
وفي السياق ذاته، برزت تنظيمات مسلحة مثل "حسم" و"لواء الثورة"، حيث أعلنت السلطات ارتباط هذه الكيانات بقيادات وعناصر من الإخوان، متهمة إياها بتبني العنف كوسيلة للضغط السياسي بعد فقدان السلطة، وقد تبنت هذه التنظيمات عددًا من العمليات الإرهابية، من بينها استهداف قوات أمنية وقضاة، ما زاد من حدة المواجهة بين الدولة والتنظيم.

ثلاث جبهات وصراع على القيادة
أما على مستوى هيكل التنظيم، فقد أدت ثورة 30 يونيو 2013 إلى تفاقم الخلافات الداخلية داخل الإخوان، والتي تحولت مع الوقت إلى انقسامات واضحة في بنية التنظيم، فقد برزت ثلاث جبهات رئيسية تتنازع الشرعية والقيادة، في مشهد غير مسبوق في تاريخ التنظيم، ما أضعف قدرته على توحيد خطابه في الداخل والخارج.