زيجات الفن نار النجاح وخفايا الانفصال
عرفت السينما في تاريخها الطويل الثنائيات الناجحة التي قدمت أفلاماً أكثر من ناجحة.. بدءاً بالرائدة الراحلة ماري كويني وأحمد جلال وليلى مراد وأنور وجدي، ثم فاتن حمامة وعماد حمدي وشادية دلوعة السينما وكمال الشناوي والمطرب فريد الأطرش والراقصة سامية جمال وانتهاء بالفنان فؤاد المهندس وشويكار، وكما روى لي الأستاذ جمال الليثي أن أول ظهور لشويكار في فيلم من إنتاجه كان فيلم «حبي الوحيد» أمام نادية لطفي وعمر الشريف وكمال الشناوي، وكان هو أول ما أخرج الراحل الكبير المخرج كمال الشيخ لشركته.. بينما كان فؤاد المهندس نجماً من نجوم «ساعة لقلبك» أنجح البرامج الإذاعية الضاحكة.. الذي قدم رموز الضحك إلى الأوساط الفنية على مدى حلقات متتابعة مثل عبدالمنعم مدبولي وأمين الهنيدي ومحمد عوض ومحمد يوسف «المعلم شكل» وخيرية أحمد، وكان لفؤاد المهندس عشاق يتكاثرون يوماً بعد يوم، ولم تلتفت إليه السينما إلا في مرحلة متقدمة، وكان الأستاذ عز الدين ذو الفقار مؤمناً بموهبته فأسند إليه دور مؤثراً وبارزاً في فيلم «الشموع السوداء» بجوار نجاة الصغير وصالح سليم، ثم قدمه مرة ثانية في دور مؤثر وبارز في فيلم «بين الأطلال».. وعلى طول علاقته بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، وكما روى لي الأستاذ جمال الليثي أن عبدالوهاب كان يتصل به ليطلب عملاً من أعمال فؤاد المهندس، مسرحية أو فيلماً، ويقول له «أنا لا أستطيع أن أنام إلا بعد أن أشاهد عملاً لفؤاد المهندس».. وعادة ما كان يجري بينهما الحوار التالي:
ابعت لك كم ثمن شريط الفيديو؟
ولا حاجة يا أستاذ عبدالوهاب.
لا كام.. لازم تحدد كام؟
عشرين جنيه بس.. واعتبر الشريط هدية.
في بداية الستينات بدأ التليفزيون المصري إرساله، وروى لي جمال الليثي أن د. عبدالقادر حاتم طلب من غرفة صناعة السينما أن تزوده بأفلام يعرضها التليفزيون في سهراته، وأصدرت الفرقة قراراً بعدم السماح للتليفزيون بعرض الأفلام السينمائية، ولما عرف جمال الليثي بالقرار كان لديه للتوزيع عشرة أفلام يملكها «استوديو مصر» فأرسلها إلى الدكتور عبدالقادر حاتم وعرضها التليفزيون بالفعل.
وقد اقتنع د. عبدالقادر حاتم بمشروع تكوين فرق مسرحية تعمل على مسرح خاص سمي مسرح التليفزيون، تعرض مسرحياتها للجماهير وتسجل كسهرات تذاع في التليفزيون وتغطي عدداً من ساعات الإرسال، وكان يدير مسرح التليفزيون الفنان الشامل الكاتب المبدع والممثل البارع والمخرج المتمكن في مجالات الإذاعة والمسرح والسينما السيد بدير، وتعددت الفرق وتنوعت المسرحيات التي تقدمها من عالمية مقتبسة ومحلية اجتماعية فكاهية ضاحكة، التي صال وجال فيها أكثر نجوم «ساعة لقلبك»، وعلى رأسهم بالطبع فؤاد المهندس ومحمد عوض ومحمد رضا وأمين الهنيدي وبالطبع عبدالمنعم مدبولي، الذي أخرج «المفتش العام» من تأليف د. رشاد رشدي، وطعمها بنجوم جدد مثل أبوبكر عزت بجانب محمد رضا ونعيمة وصفي، ثم كانت مسرحية «السكرتير الفني»، التي رشح لها عبدالمنعم مدبولي فؤاد المهندس في دور البطولة، وكانت مأخوذة عن مسرحية فرنسية عنوانها «توباز»، وسبق أن اقتبسها وقدمها نجيب الريحاني، كانت المسرحية من إعداد سمير خفاجي وعند البحث عن نجمة تمثل دور البطولة أمام فؤاد المهندس رشح جمال الليثي شويكار.
وكان مدبولي يمثل دور ناظر المدرسة وعبدالوارث عسر يمثل دور مدرس اللغة العربية الشيخ ياقوت، ونجوم مسرح التليفزيون مثل حسن مصطفى ومديحة حمدي، وكانت تلك هي بداية الثنائي المسرحي المتألق فؤاد وشويكار.. كانت «السكرتير الفني» عودة للمسرح الكوميدي الناجح في إضحاك الناس، وكان الإقبال الكبير عليها سبباً في أن يستمر عرضها لشهور، بعد أن كان مسرح التليفزيون يكتفي بعرض مسرحياته لعشرة أيام فقط، قبل أن ينقلها، و«أنا وهو وهي» هي المسرحية التي سجلت أول ظهور للنجم الجديد عادل إمام من أنجح المسرحيات الضاحكة التي قدمها مسرح التليفزيون، وكسبت شهرة عريضة عندما بدأ التليفزيون في إذاعتها علي شاشتة المرة بعد المرة.. بل وفتحت «أنا وهو وهي» الطريق إلى مسرحيات أخرى ناجحة لنجوم الكوميديا الآخرين، مثل «حلمك يا شيخ علام» لأمين هنيدي، و«جلفدان هانم» و«مطرب العواطف» و«نمرة اتنين يكسب» للثلاثي محمد رضا ومحمد عوض وخيرية أحمد وعبدالمنعم مدبولي.
زواج الثنائي فؤاد المهندس وشويكار
كثيراً ما تتحول المشاركة الفنية، والعمل الفني اليومي على خشبة المسرح أو أمام كاميرات السينما إلى مشاركة عاطفية، وتصبح كلمات الحب واللوعة واللهفة والشوق التي يتبادلها الفنان والفنانة واقعاً، يجمع بينهما في قصة حب، إنه نفس المنطق الذي دفع إلى السطح بزيجات كثيرة في الوسط الفني، وكما حكى لي جمال الليثي أن هذا هو نفس المنطق الذي قاد فؤاد المهندس وشويكار إلى الزواج بعد قصة حب عنيفة دفعت فؤاد المهندس إلى الطلاق من زوجته الأولى، معانداً الأسرة بمن فيها أخته صفية المهندس.. لكن هذا الزواج بدأ رحلة صاروخية إلى نجاح لم يتكرر في الحياة الفنية.. خاصة في الحياة المسرحية حتى عندما تخلى التليفزيون عن فكرة الفرق المسرحية، وقام بتصفية هذه الفرق اجتمع فؤاد ومدبولي وسمير خفاجي وكونوا فرقة الفنانين المتحدين، لكي تستغل هذا النجاح إلى أبعد الحدود بمسرحيات، مثل «حواء الساعة 12» و«أنا فين وأنتي فين»، وكانت قمة هذا النجاح في مسرحية «سيدتي الجميلة»، المأخوذة عن مسرحية جورج برنارد شو بيجامليون، التي سبق أن قدمتها الممثلة العظيمة أودري هيبورن أمام ريكس هاريسون، وعندما انفصل فؤاد وشويكار عن الفنانين المتحدين لبعض الخلافات الإدارية والمالية أعاد فؤاد تكوين الفرقة المسرحية، لكي يقدم مسرحيتي «حقاً إنها عائلة محترمة» و«سك على بناتك».
إعادة الأفلام والمسرحيات القديمة
وكما أن مسرحية «سيدتي الجميلة» مأخوذة عن بيجامليون لبرنارد شود فما أكثر الأفلام المأخوذة عن مسرحيات، بل والمأخوذة عن أفلام قديمة تقدم في ثوب جديد وبنجوم جدد، وعلى سبيل المثال فيلم «سلامة في خير» مأخوذ عن مسرحية الريحاني «قسمتي»، بل إن نفس الفكرة قدمت من قبل في فيلم «نور الدين والبحارة الثلاثة» لعلي الكسار، وهي أيضاً فيلم «صاحب الجلالة» لفريد شوقي، وأشهر أفلام حسن الإمام «خلي بالك من زوزو»، الذي فجر مواهب سعاد حسني أمام حسين فهمي، وتحية كاريوكا هو مسرحية إنجليزية بعنوان «خلي بالك من إميلي»، التي أخذ عنها أيضاً فيلم «فتاة متمردة» بطولة ماري كويني ومحسن سرحان وبديعة مصابني وأخرجه أحمد جلال.
وكما روى لي جمال الليثي أن فيلمه الناجح «إشاعة حب» عندما شرع مع فطين عبدالوهاب في تجهيزه كسيناريو بلغهما أن حلمي حليم يعد سيناريو لنفس القصة وطلبا من حلمي حليم أن يتوقف ويتنازل لهما عن القصة ودفعا له ألف جنيه، فسلمهما مسرحية بعنوان «حديث المدينة» لكاتبة إنجليزية اسمها إيفا لوي ظلت تقدم على مسارح لندن 28 سنة، وقد ترجمت وقدمت في المسرح المصري تحت عنوان «ما كان من الأول» مثلها فؤاد المهندس وعبدالمنعم مدبولي، وعادل إمام وفيلم عاطف سالم «يوم من عمري» بطولة عبدالحليم حافظ وزبيدة ثروت مأخوذ عن الفيلم الأمريكي «إجازة رومانية» بطولة أودري هيبون وجريجوري بيك، وفيلمه «لن أعترف» لفاتن حمامة وأحمد مظهر وأحمد رمزي، مأخوذ عن قصة إنجليزية تحولت أيضاً إلي فيلم بعنوان «القطار الأخير إلي بابليون».
وقد عرض الفيلمان معاً في مصر وتفوق الفيلم المصري، رغم أن الفيلم كان بطولة جاري كوبر وماري إشيل.. وفيلم «النمر والأنثي» لعادل إمام وآثار الحكيم هو نفسه فيلم «النمر» لأنور وجدي ونعيمة عاكف. وفيلم «اللص والكلاب» رغم أن نجيب محفوظ التقط أحداثه من قصة السفاح المصري أمين سليمان، إلا أن نفس الموضوع قدمته سينما مترو، بعد عرض «اللص والكلاب» بفترة طويلة بعنوان «المنتقم» من بطولة جريجوري بيك، وفيلم «الطريق» لنجيب محفوظ يعالج نفس فكرة الكاتب جيمس جويس «24 ساعة» التي حولتها السينما إلى فيلم.
وللحديث بقية.