إنجاز طبي.. مريء مُصنع يمنح فرصة الحياة للأطفال المولودين بعيوب خلقية
إنجاز طبي.. مريء مُصنع يمنح فرصة الحياة للأطفال المولودين بعيوب خلقية
حققت مجموعة من العلماء البريطانيين إنجازًا طبيًا غير مسبوق بابتكار مريء مُصنّع في المختبر يمتلك القدرة على استعادة وظيفة البلع، وهو تطور واعد قد يُحدث نقلة نوعية وجذرية في بروتوكولات علاج الأطفال الذين يولدون بعيوب خلقية خطيرة، وقد تمكن الباحثون في مستشفى «جريت أورموند ستريت» بالتعاون مع كلية لندن الجامعية من تطوير جزء بديل لأنبوب الطعام واستخدامه في عملية زرع ناجحة لإصلاح الأضرار في النماذج الحيوانية، مما أتاح لها القدرة على البلع بشكل طبيعي تمامًا، وما يميز هذه الأنسجة هو زراعتها باستخدام خلايا المتلقي نفسه، وهو ما يلغي الحاجة تمامًا لتناول الأدوية المضادة للرفض، وهي ميزة حيوية تجنب المرضى خطر العدوى المرتبط بتلك العقاقير.
نقلة نوعية في علاج الأطفال المولودين بعيوب خلقية
ويعتقد الخبراء أن هذا التقدم العلمي قد يمثل شريان حياة للأطفال المصابين بحالة «رتق المريء ذي الفجوة الطويلة»، وهي حالة نادرة يولد بها الأطفال، حيث لا يتصل أنبوب الطعام بالمعدة بشكل صحيح، وتتطلب الحالات الأكثر خطورة سلسلة من العمليات الجراحية المعقدة فور الولادة، إذ بدون التدخل الطبي يعجز هؤلاء الأطفال عن البلع بأمان، مما يعرضهم لمضاعفات مميتة تشمل الاختناق والالتهاب الرئوي، ويأمل الباحثون أن تمهد هذه النتائج الطريق لاختبار التقنية على البشر، لتوفر بديلًا أقل توغلًا من الجراحات الحالية التي تعتمد على إعادة وضع المعدة أو أجزاء من الأمعاء، وهي إجراءات معقدة تترك الأطفال عرضة لمشاكل صحية مزمنة تشمل صعوبات التنفس والهضم، وزيادة خطر الإصابة بالسرطان مستقبلًا، بحسب ما كشفت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية.

وفي تفاصيل الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Biotechnology»، استخدم العلماء مريء خنزير نظراً لتشابهه الكبير مع المريء البشري، حيث قاموا بتجريده من كافة خلاياه الحية للحصول على هيكل طبيعي فارغ، ثم أضافوا إليه خلايا عضلية مأخوذة من الحيوان المتلقي نفسه، وبعد إنماء هذا النسيج المهندس في جهاز خاص لمدة أسبوع، تمت زراعته ليندمج بنجاح مع الجسم، وقد أظهرت النتائج نجاة جميع الحيوانات الثمانية وعودتها لتناول الطعام والنمو بمعدلات صحية، وخلال فترة مراقبة استمرت 6 أشهر، نجح المريء المطور مختبريًا في بناء عضلات وأعصاب وأوعية دموي، وأصبح قادرًا على الانقباض ودفع الطعام نحو المعدة بفعالية.

المرئ المطور يمنح للأطفال الأمل
من جانبه، أكد الباحث الرئيسي باولو دي كوبي أن هذا العمل قد يغير وجه الرعاية الصحية في غضون سنوات قليلة، مشبهًا هذه التقنية باستخدام صمامات قلب الخنازير التي أنقذت حياة مرضى القلب لعقود، وأوضح أن أنسجة الخنازير، بعد تجريدها من المواد الخلوية، تمثل دعامة مثالية لهندسة أنسجة بشرية متوافقة حيويًا، مما يفتح حدودًا جديدة في الطب التجديدي، كما أضافت الدكتورة ناتالي دوركين أن كل خطوة في هذا البحث تمثل علامة فارقة لتقديم علاج واقعي للأطفال قريبًا، وهو ما أثنت عليه أويفي ريجان من مؤسسة «GOSH» الخيرية، مؤكدة أن مثل هذه الأبحاث المبتكرة تمنح الأمل للأطفال الذين يعانون من حالات نادرة تؤثر بشدة على جودة حياتهم.

وبالنسبة للعائلات، يمثل هذا الإنجاز حلاً لمآسٍ طويلة؛ فالطفل كيسي ماكنتاير، البالغ من العمر عامين، خضع لعدة جراحات كبرى بسبب فقدان جزء من مريئه عند الولادة، مما أثر على أحباله الصوتية وجعله يعتمد على أنابيب التغذية، وترى عائلته أن فكرة إجراء جراحة واحدة مبكرة لزراعة مريء سليم ستكون تغييرًا جذريًا للحياة، وتجنبهم سنوات من القلق والعمليات المتكررة، ورغم هذا التفاؤل، حث البروفيسور دوسكو إيليتش من «كينجز كوليدج لندن» على توخي الحذر، مشيرًا إلى عدم وجود دليل حتى الآن على أن العضو المهندس يمكنه النمو مع نمو الطفل، معتبرًا أن الحديث عن حل نهائي قد يكون سابقًا لأوانه ويتطلب دراسات أطول للتأكد من ديناميكية النسيج المزروع وقدرته على التكيف مع التقدم في السن.
ويواصل الفريق البحثي حاليًا جهوده لتطوير طعوم أطول وتحسين تدفق الدم بها استعدادًا لبدء التجارب السريرية الأولى على البشر، حيث يتوقعون أن تصبح عمليات زرع المريء الشخصية للأطفال ممكنة في غضون خمس سنوات، وهو ما قد يمهد الطريق لإصلاح أعضاء حيوية أخرى في جسم الإنسان مستقبلًا.