الدولة الوطنية في مواجهة حروب المحاور (2)
في الوقت الراهن الذي نرى فيه -بالعين المجردة- إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للعالم، وتصارع القوى الكبرى فيه على مناطق النفوذ، تجد الدولة الوطنية نفسها أمام اختبار وجودي: كيف تحافظ على سيادتها واستقلالية قرارها في قلب «حروب المحاور» التي لا تعترف بالحياد؟
مصر، بثقلها التاريخي وموقعها الاستراتيجي، تقدم نموذجاً فريداً في الإجابة عن هذا السؤال، من خلال معادلة معقدة قوامها التنويع الاستراتيجي، وإدارة الخلاف مع الحلفاء، والصبر الاستراتيجي، ورفض منطق التبعية.
الإجابة تكمن في هذا المزيج من الواقعية والصلابة، فمصر لا تتبنى سياسة الحياد السلبي، لكنها تطبق وبمهارة مفهوم «الحياد الإيجابي» القائم على الانخراط في القضايا الدولية بما يخدم مصالحها، ورفض الانجرار إلى صراعات لا تحقق لها مكاسب مباشرة، وبناء قوة داخلية -اقتصادية ومؤسسية- تدعم القرار السيادي، وفي الوقت نفسه تحرص على تماسك الجبهة الداخلية باعتبارها الضامن الحقيقي لبقاء الدولة الوطنية، وقدرتها على الاستقلال.
لم تعد السياسة الخارجية المصرية اليوم امتداداً للخطاب الثوري في خمسينات القرن الماضي، الذي فرضته الظروف آنذاك، وتحولت إلى أداة واقعية دقيقة لإدارة علاقات القوة في عالم متعدد الأقطاب.
كان عدم الانحياز في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر يحمل طابعاً أيديولوجياً رومانسياً، ومدفوعاً بكاريزما الزعامة، وانتهى الحال لاحقاً بكارثة 1967، وما تبعها من سنوات التبعية للسياسات -والمساعدات- الأمريكية.
اليوم تقدم مصر، في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، نموذجاً مختلفاً لـ«عدم الانحياز» أهم ما يميزه أنه: أكثر برودة، أكثر حدة.. وأكثر منفعة.
هذا النموذج الجديد يقوم على مبدأ واضح: العمل مع الجميع، وعدم الانحياز لطرف على حساب الآخر، والبيان على المعلم.
مصر الآن تتعاون مع روسيا في بناء أول محطة نووية سلمية في الضبعة، وتستورد السلاح من أمريكا وفرنسا وألمانيا والصين، وتتلقى استثمارات ضخمة من الخليج، وتبني البنية التحتية بتمويل صيني عبر مبادرة الحزام والطريق.
هذه الحالة وصفها البعض بأن مصر لم تعد «تختار الأطراف»، لكنها تطمح لأن تختارها الأطراف المختلفة.
وتبدو العلاقات المصرية الأمريكية هي النموذج الأكثر وضوحاً ودلالة على تغير السياسة الخارجية للدولة الوطنية المصرية بعد ثورة 30 يونيو 2013.
قبل هذا التاريخ، كان أخطر ما يواجه الدولة -في زمن الاستقطاب- بعد أن وضعت كل بيضها في السلة الأمريكية.
وكان لهذه الفترة مراراتها، ولذلك انتهجت مصر -بعد 30 يونيو- سياسة نشطة لتنويع مصادر التسليح والتمويل والتحالفات، وبدلاً من الاعتماد بأكثر من 80% على السلاح الأمريكي، تغيرت المعادلة بشكل جذري.
اليوم، مصر تشتري الرافال من فرنسا، والميج من روسيا، وتُجري مناورات جوية مشتركة مع الصين (نسور الحضارة)، وتطور صناعاتها الحربية المحلية.
أخطأنا عندما وضعنا كل بيضنا في السلة الأمريكية. السفير علي الحفني، نائب وزير الخارجية الأسبق، لخَّص هذه الفلسفة بوضوح: من حقنا وواجبنا أن ننوع علاقاتنا، لدينا علاقة استراتيجية مع أمريكا نعم، لكن عندما تمتنع عن بيع أسلحة معينة لنا، فمن حقنا أن نذهب إلى آخرين.
هذا التنويع ليس عداءً للولايات المتحدة، لكنه «استراتيجية تأمين» ضد تقلبات السياسة الأمريكية وضغوط الكونجرس المشروطة بملفات لا تمت للأمن القومي المصري بصلة.
وللحديث بقية.