«الإخوان أصحاب عقيدة الدم».. عقود من الكراهية وتنفيذ العمليات الإرهابية
«الإخوان أصحاب عقيدة الدم».. عقود من الكراهية وتنفيذ العمليات الإرهابية
على مدار ما يقرب من قرن كامل كانت جماعة الإخوان الإرهابية حاضرة في قلب المشهد المصري ليس فقط كفاعل تقليدي، بل كتنظيم يحمل مشروعاً مغايراً لفكرة الدولة الوطنية يقوم في جوهره على الصدام معها والسعي لإعادة تشكيلها وفق تصوراته الأيديولوجية التي تخدم مصالحه بالدرجة الأولى، فمنذ نشأته عام 1928، ارتبط مسار الجماعة بحالة من التناقض المستمر مع مفهوم الدولة الحديثة، حيث تبنى خطاً يتجاوز الحدود الوطنية لصالح فكرة السيطرة على الدولة وتحقيق أقصى استفادة لأعضاء الجماعة على حساب الشعب المصري ووطنه، ما وضعه منذ بدايته في صدام مع مسار بناء الدولة.
عقيدة الدم
أكد الدكتور عمرو عبدالغني، الباحث في شئون الجماعات المتطرفة، أنه مع تعاقب العقود، ظهرت الملامح الحقيقية لـ«عقيدة الدم»، حيث لم تتردد الجماعة في توظيف العنف لتحقيق أهدافها سواء عبر استهداف مؤسسات الدولة أو محاولة اختراقها من الداخل، أو من خلال نشر الفوضى وبث مشاعر الكراهية تجاه فكرة الدولة الوطنية ذاتها، وقد انعكست هذه الممارسات في محطات تاريخية متعددة من اغتيال المصريين وتنفيذ العمليات الإرهابية بمختلف الأماكن سواء مؤسسات دينية أو حتى منشآت عامة، لتؤكد تلك الجرائم أن الصراع مع الجماعة لم يكن سياسياً بقدر ما كان ثأراً تأخذه الجماعة من الدولة وشعبها بمختلف فئاتها الذي نال جميعاً نصيبه من شر تلك الجماعة الإرهابية.
جذور العنف داخل التنظيم لم ترتبط فقط بالممارسة، بل تمتد إلى التنظير المبكر الذي وضعه مؤسس الجماعة حسن البنا، بحسب ما أوضح الدكتور عبدالغني، أن رسالة الجهاد التي كتبها «البنا» لم تكن مجرد نص دعوي، بل تضمنت دعوة صريحة لتبني مفهوم صناعة الموت كمدخل لتحقيق الغايات، إذ كان هذا الفكر تحولاً خطيراً في الفكر المعاصر حيث يقدم الموت بوصفه وسيلة لتحقيق الحياة، حيث قال «البنا»: «أعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة»، وهكذا تفنَّن «البنا» في إتقان صناعة الموت في هذا العصر الذي يوجب فيه الإسلام أن نتعلم «فن صناعة التنمية والتسامح».
ومن داخل صفوف التنظيم يروي مختار نوح، المحامي والخبير في شئون الحركات الإسلامية والقيادي السابق في الجماعة، الذي يكشف جانباً آخر من صورة جماعة الإخوان الإرهابية، موضحاً أن هذا التنظيم السري لم يكن مجرد جناح جانبي، بل هو الأصل، بينما كان التنظيم العلني مجرد واجهة تبدو سلمية وتعمل عبر السياسة.
السيطرة على مفاصل الدولة
ويؤكد «نوح» أن فكرة التنظيم السري لم تكن فكرة جديدة بل تعود إلى البدايات الأولى، حيث ارتبطت بنشأة الجماعة نفسها، واستمرت رغم محاولات إلغائها في مراحل لاحقة، فقد كان الهدف منه السيطرة على مفاصل الدولة إذ كان هذا الكيان يتولى اختيار العناصر التي تدفع بها الجماعة إلى المواقع المؤثرة فقد كانت أهدافه تختلف عن الخطاب المعلن ويتحرك وفق حسابات خاصة، تتجاوز ما يُطرح على الأعضاء أو الرأي العام، مشيراً إلى وجود فجوة كبيرة بين الشعارات المرفوعة والواقع.
وهذا المسار، كما يوضح «نوح»، لم يكن منفصلاً عن التأثير الفكري الذي شكّل عقل الجماعة، بخاصة مع صعود ما يُعرف بالتيار القطبي، المرتبط بأفكار سيد قطب، مشيراً إلى أن هذه الأفكار مثل «جاهلية المجتمع» و«الحاكمية» ويعني أن المجتمع المسلم المعاصر يعيش في حالة جاهلية شبيهة بتلك التي كانت قبل الإسلام، وهذا المفهوم دفع العديد من الأعضاء للنظر إلى مجتمعاتهم بنظرة دونية، معتبرين أنها بعيدة عن الإسلام الحقيقي.
ومع تعاقب العقود، تُرجمت هذه البنية الفكرية والتنظيمية إلى ممارسات على أرض الواقع، حيث ارتبط اسم الجماعة بشكل متكرر بمحطات من العنف والاضطراب فلم تتوقف جماعة الإخوان عند هذا الحد، بل واصلت محاولاتها لإعادة بناء تنظيمها والانخراط في أنشطة تستهدف النيل من استقرار الدولة من خلال محاولات الاغتيال التي نفذتها تجاه العديد من الشخصيات البارزة من الدولة، وقال أحمد بان، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، إن مسيرة الإخوان ظلت تدور بين العمل السري والتنظيمي من جهة، والانخراط السياسي من جهة أخرى.
تناقضات بين شعارات وممارسات الإخوان
وعلى مدار تاريخ الجماعة ظهرت العديد من التناقضات الكبيرة بين الشعارات التي يرفعها التنظيم والممارسات الفعلية لها، حيث يصف ذلك الدكتور ثروت الخرباوي، الكاتب والمفكر السياسي وعضو مجلس الشيوخ، والقيادي السابق في جماعة «الإخوان» في تصريحات له، أن التنظيم رفع شعارات مثل الإسلام هو الحل والشريعة الإسلامية، لكنه في الواقع كان يستخدم وسائل عنيفة وغير أخلاقية لتحقيق أهدافه.
كما يتحدث عن طبيعة التنظيم نفسه، الذي رأى أنه يحمل سمات التنظيمات السرية من حيث البنية والرموز والطقوس، لافتاً إلى أن هذه السمات عكست تأثراً واضحاً بأساليب جماعات مغلقة تعتمد على السرية والانضباط الصارم، مشيراً إلى أن الخطاب المزدوج كان إحدى الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها التنظيم.
وعكس هذا المسار المزدوج للجماعة الذي جمع بين العمل العلني والخفي، دور التنظيم الخاص في إدارة المشهد من وراء الستار في لحظات مفصلية مرت على البلاد مثل أحداث 2011، حيث كان هناك دور خفي بدءا من نصب المنصات في ميدان التحرير إلى تنظيم الحشود والتعامل مع التغطية الإعلامية، بحسب ما أوضح مختار نوح في تصريحات له.
وأشار «بان» إلى أن اختراق الجماعة لبعض مؤسسات الدولة عبر عقود، مكّنها في لحظة معينة من الوصول إلى الحكم في عام 2012، إلا أن التجربة كشفت خلال عام واحد فقط عن تناقض شعاراتها مع ممارساتها، وهو ما دفع المصريين إلى الخروج ضدها في 30 يونيو، وإنهاء وجودها في السلطة، مؤكداً أن بعض أذرع الجماعة لا تزال تحاول استهداف الدولة، من خلال نشر الفوضى والشائعات، إلا أن الدولة تمكنت في كل مرة من حسم المواجهة لصالح استقرار المجتمع.
وفي العقود الأخيرة للجماعة، يلفت «عبدالغني» إلى أن المواجهة مع الجماعة لم تعد تقتصر على تفكيك هياكلها التنظيمية، بل يجب أن تمتد إلى تفكيك بنيتها الفكرية، موضحاً أن تصنيف الحكومة المصرية لجماعة الإخوان وتنظيمها «تنظيماً إرهابياً» في 2013، قبل أن يصدر قرار قضائي في العام 2014 بحل ذراعها السياسية حزب الحرية والعدالة، كان أول قرار تصدره محكمة يقضي بحل الجماعة على مستوى العالم العربي في ذلك الوقت.
تحولات كبيرة في التنظيم
فيما أوضح منير أديب، الباحث في شئون الجماعات المتطرفة، في تصريحات لـ«الوطن»، أن تنظيم الإخوان يقترب من مرور نحو 98 عاماً على نشأته، وهي فترة زمنية طويلة شهدت تحولات كبيرة داخل بنية التنظيم، مشيراً إلى أن هذا الامتداد الزمني انعكس سلباً على حيوية التنظيم، حيث أصبحت خلاياه أشبه بكيان هرم فقد قدرته على الحركة والتأثير.
وعلى الرغم من ضخامته لم يعد التنظيم قادراً على الفعل المؤثر في الواقع بعد قرابة المائة عام على تأسيسه، بحسب ما أشار «منير»، بخاصة بعد أن بات في حالة صدام واضح مع مفهوم الدولة الوطنية، إذ كشفت الجماعة خلال السنوات الماضية أشكالاً متعددة من العنف سواء كان جنائياً أو سلوكياً أو سياسياً، الأمر الذي رسّخ صورتها كتنظيم معادٍ للاستقرار.
وأشار إلى أن تورط التنظيم في أعمال العنف بشكل مباشر وعلني، لا سيما بعد عام 2013، أسهم في تعرية أفكاره أمام الرأي العام، حيث سعى إلى هدم مؤسسات الدول التي ينشط فيها من خلال أذرعه المختلفة، إلى جانب نشر الكراهية عبر كتاباته وأدبياته التي لم تكن واضحة للجمهور سابقاً إلا بعد ترجمتها إلى ممارسات على أرض الواقع، كما كانت دعوات الفوضى وترويج الشائعات جزءاً من استراتيجية التنظيم لزعزعة استقرار الدولة، والتي أوضح «أديب» أن هذه السلوكيات تمثل مكوناً أصيلاً في الفكر الإخواني وبنية التنظيم، التي تميل بطبيعتها إلى العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها