أستاذ علوم سياسية: «الجماعة» تلجأ إلى الشائعات والحرب النفسية لإضعاف الدولة
أستاذ علوم سياسية: «الجماعة» تلجأ إلى الشائعات والحرب النفسية لإضعاف الدولة
أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن تجربة جماعة الإخوان على مدار ما يقرب من قرن من الزمن كشفت عن طبيعة تنظيمية تقوم على الصدام مع الدولة الوطنية، وتوظيف أدوات العنف والفوضى والشائعات لتحقيق أهدافها.
وأضاف «فرحات»، في حواره مع «الوطن»، أن الوعي الشعبي المتراكم إلى جانب قوة مؤسسات الدولة، حال دون تكرار سيناريوهات الماضي، وإلى نص الحوار:
■ بداية.. كيف تقرأ مسار جماعة الإخوان على مدار نحو قرن؟ ولماذا يطلق عليها البعض «عقيدة الدم»؟
عند قراءة التاريخ الممتد لنحو 98 عاماً، نجد أن جماعة الإخوان لم تكن مجرد تنظيم دعوي أو سياسي كما حاولت أن تقدم نفسها، بل كانت تحمل في بنيتها الفكرية والتنظيمية نزعة صدامية واضحة مع الدولة الوطنية، ومصطلح «عقيدة الدم» لم يأتِ من فراغ، بل من تكرار أنماط العنف، وتبرير استخدام القوة، واللجوء إلى التنظيمات السرية، والعمل خارج إطار القانون، وعبر محطات مختلفة، ظهرت هذه النزعة في الاغتيالات، ومحاولات التخريب، واستهداف مؤسسات الدولة، وهو ما يؤكد أن العنف لم يكن استثناء بل جزء أصيل من التفكير التنظيمي.
■ هناك من يرى أن الجماعة في حالة عداء مع الدولة.. كيف تفسر ذلك؟
هذا التوصيف دقيق إلى حد كبير، لأن الإخوان لم يعترفوا يوماً بشكل كامل بمفهوم الدولة الوطنية الحديثة، هم ينطلقون من فكرة «التنظيم» الذي يتجاوز الحدود، ويرى نفسه أسمى من الدولة، لذلك، كان الصدام حتمياً مع الدولة، التي تقوم على مؤسسات وقوانين وسيادة، هذا العداء تجلى في محاولات مستمرة لاختراق مؤسسات الدولة، أو إضعافها، أو حتى إسقاطها عندما تتعارض مع مشروعهم، وبالتالي، العلاقة لم تكن يوماً علاقة توافق، بل صراع على الشرعية والسيطرة.
■ كيف أثرت هذه الرؤية على علاقة الجماعة بالمجتمع نفسه؟
المشكلة الكبرى أن الجماعة لم تكتفِ بالصدام مع الدولة، بل امتد ذلك إلى المجتمع، والجماعة لديها خطاب دائم قائم على تقسيم المجتمع إلى «مؤمن بالفكرة» و«معادٍ لها»، وهو ما يخلق حالة استقطاب حادة، وأدى هذا الخطاب إلى حالة من الشك بين المواطن ومؤسسات دولته، وأسهم في نشر الشائعات، ومحاولات التشكيك في كل إنجاز، والهدف هنا كان واضحاً وهو تفكيك الثقة بين المواطن ووطنه، لأن هذه الثقة هي أساس الاستقرار.
■ هل يمكن القول إن العنف وتخريب المؤسسات جزء أساسي من فكر الجماعة؟
نعم، إذا نظرنا إلى التجربة التاريخية، سنجد أن العنف لم يكن رد فعل مؤقت، بل أداة ضمن أدوات العمل واعتمدت الجماعة على التنظيمات الخاصة، والعمل السري، والتدريب، وحتى العمليات المباشرة في بعض الفترات، كما أن فكرة «التمكين» لديهم تبرر استخدام أي وسيلة للوصول إلى السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الدولة أو سلامة مؤسساتها، وتخريب المؤسسات ليس هدفاً في حد ذاته، لكنه وسيلة لإضعاف الدولة تمهيداً للسيطرة عليها.
■ ماذا عن استخدام الشائعات والحرب النفسية كأدوات للوصول إلى الغاية؟
هذا جانب مهم للغاية، الجماعة أدركت مبكراً أن المواجهة المباشرة مع الدولة مكلفة، لذلك اعتمدت على أدوات غير تقليدية مثل الشائعات، والحرب الإعلامية، والتلاعب بالرأي العام ونشر الأخبار الكاذبة، تضخيم الأزمات، التشكيك في كل قرار، كلها أدوات تهدف إلى خلق حالة من الإحباط العام، هذه الاستراتيجية تسعى إلى إقناع المواطن بأن الدولة عاجزة، وبالتالي دفعه إلى فقدان الثقة فيها.
■ كيف ترى محاولات الجماعة المستمرة لإثارة الفوضى؟
إثارة الفوضى كانت دائماً أحد السيناريوهات المطروحة لديهم، والفوضى تخلق بيئة مناسبة لإعادة التمركز، ومحاولة الظهور كبديل لذلك، نجد دعوات مستمرة للتظاهر غير المنضبط، أو التحريض على العنف، أو استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لإشعال الشارع، هذه المحاولات لم تتوقف، لكنها فشلت في كثير من الأحيان بسبب وعي الدولة والمجتمع.
■ هناك من يتحدث عن «خيانات لا تسقط بالتقادم».. ما المقصود بذلك؟
المقصود هنا هو أن سجل الجماعة يتضمن مواقف وتحالفات أثرت سلباً على الدولة، وبعضها ارتبط بقوى خارجية أو بمشاريع لا تتوافق مع المصالح الوطنية وهذه الممارسات تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية للمصريين، وجعلت فكرة الثقة في الجماعة أمراً شديد الصعوبة، التاريخ هنا ليس مجرد ماضٍ، بل عامل مؤثر في تشكيل الوعي الحالي.
■ السؤال الأهم.. هل من الممكن أن يقبل الشعب المصري الجماعة مرة أخرى؟
الإجابة المختصرة والواضحة: لا، والسبب في ذلك أن الشعب المصري مرَّ بتجربة مباشرة مع الجماعة، ولم يعد يعتمد فقط على الشعارات أو الوعود، وكشفت التجربة الفجوة بين الخطاب والممارسة، وأظهرت حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب على وصول تنظيم بهذا الفكر إلى الحكم، بالإضافة إلى ذلك، هناك وعي متزايد لدى المواطنين بأهمية الحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها، وهو ما يتعارض جذرياً مع مشروع الجماعة.
■ في ضوء ذلك.. كيف يمكن تحصين المجتمع ضد مثل هذه الأفكار؟
التحصين لا يكون فقط بالإجراءات الأمنية، بل بالوعي، التعليم، والإعلام المسؤول، وتعزيز الانتماء الوطني، كلها أدوات أساسية، ويجب أن يكون هناك فهم حقيقي لدى المواطن بطبيعة هذه التنظيمات، وكيف تعمل، وما أهدافها، كما أن الشفافية في التعامل مع الأزمات، وتقديم معلومات دقيقة، يقللان من تأثير الشائعات، وفي النهاية، المجتمع الواعي هو خط الدفاع الأول عن الدولة.
التجربة مع جماعة الإخوان تمثل درساً مهماً في تاريخ الدولة المصرية والحفاظ عليها، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته، هو الضمان الحقيقي للاستقرار، التاريخ أثبت أن أي تنظيم يقوم على العنف أو الإقصاء لا يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل مستقر، وأن وعي الشعوب هو العامل الحاسم في مواجهة مثل هذه التحديات.