«سفاح التجمع».. جعجعة بلا طحين
فصل الدقة عن المقومات الأساسية عند الحكم في أي تقييم نقدي بالتأكيد يفقده الكثير من الموضوعية. تحديداً حين تمس القضية مبدأ لا جدال حوله هو حرية الإبداع.. كلمتان تتجاوز مجرد كونهما حروفاً إلى قيمة تستدعي مضامين وإيضاحات لا تنفصل عن فضيلة الحرية.
ارتباط الحكم على أي عمل فني أو قضية ذات صلة بالإبداع تفرض وجود رؤية مميزة للعمل، تمنحه عند طرحها تأشيرة الدخول إلى عالم الإبداع الفني عند تقديم رؤية المبدع أياً كان توصيف هذه الرؤية.. وطنية، اجتماعية، كوميدية، سياسية، إلى آخر هذه التصنيفات المتنوعة التي يقينا لا تتضمن رؤية عنوانها «الشذوذ».
مع كل التقدير للمخاوف التي أثارها النقاد بعد قرار هيئة الرقابة على المصنفات الفنية سحب شريط سينمائي يحمل عنوان «سفاح التجمع» لا يرقى حتى إلى مستوى فيلم. مروراً بالبيانات المتبادلة بين الهيئة وصناع الشريط حتى التعهد بإعادة عرضه بعد مراجعة التزام المنتج بالملاحظات الرقابية.
الحقيقة أن جميع المبررات التي ذكرت دفاعاً عن هذا الشريط المصور خرجت من منطلق التعاطف ورفع ورقة الحرية في غير موضعها.
شريط يستعرض حالة شاذة استوحت أحداثها عن قصة حقيقية أثارت اشمئزاز الشارع المصري بالتأكيد لا يمثل «طوق نجاة!» لصناعة السينما المصرية التي يحفل تاريخها بأعمال رائعة كشفت بحرية وجرأة تامة ملفات شائكة.
ذكر ملف حرية التعبير يستدعي مراجعة الحد الفاصل الذي يحسم السؤال الهام، هل من الدقة عند التطرق إلى قواعد النقد الفني إطلاق وصف مستوى فني على شريط يعرض حالة شاذة مقارنة بأعمال استحقت فعلاً الوضع داخل إطار العمل الإبداعي رغم تعرضها لأزمات مع الرقابة أعاقت السماح بعرضها لأعوام، إلا أنها عرضت وحققت نجاحاً باهراً انتصاراً لحق حرية التعبير.
على سبيل المثال لا الحصر: «المذنبون»، «البرئ»، «شيء من الخوف»، «ميرامار»، «العصفور»، «الغول»، «درب الهوى»، «ثرثرة فوق النيل»، وأخيراً «الملحد».
أعمال اعتبرت من علامات السينما المصرية المهمة بحكم احتوائها على رؤية إبداعية.. مضمون لقضية تطرح على المتفرج.
ليس دفاعاً عن قرار محدد لهيئة الرقابة على المصنفات الفنية التي يرحب جميع المطالبين بإعلاء قيمة الحرية بأن تمارس دورها على عمل المبدع قبل حتى عرضه على الهيئة، بل إن قرار الموافقة على عرض لقطات مصورة لحالة شاذة حتى مع إدراج ملاحظات واشتراطات لم يكن موفقاً.
تحديداً مع غياب قضية إبداعية يحملها العمل تلزم الرقابة التصريح بالسيناريو مبدئياً أو الموافقة عليه من خلال رئيس الهيئة عبدالرحيم كمال.
إن تصوير لقطات جرائم شاذة مهما كانت الإضافات التي أظهرت خلفية الدوافع النفسية وراء خلق النموذج المشوه للمجرم الذي استوحى الشريط وقائعه من أحداث القضية المشهورة، لا يمنحه جواز المرور إلى عالم الإبداع، ولا يستحق توقيع الرقيب على السماح بعرض هذا الشريط في دور السينما.
بالتالي، ابتعد الكثير من النقاد عن الدقة في الحكم عند وضع هذا الشريط في مقارنة مع أعمال جمعت بين رؤية فنية، مع إبداع صانعيها عند الجرأة في الطرح.
التصنيف الرقابي قطعاً تطبيق إيجابي على الأعمال التي يحتل العنف مساحة كبيرة من أحداثها، لكن واقع الأمر أيضاً قد يفرض حدوث بعض التجاوزات تحديداً خلال مواسم الأعياد حين يتصدر تحقيق الأرباح أولويات دور السينما.
بل حتى لو طبق بحزم في كل دار عرض على نطاق الجمهورية، فليس منطقياً تحديد تصنيف عمري (+16) دون الوضع في الاعتبار أن التصنيف لم يتجاوز مرحلة المراهقة بكل ما تحمله من تبعات التأثر بدافع هوس الشهرة بعدما أصبح يداعب خيال شريحة لم يعد يستهان بها بين المراهقين.