التقاط الأنفاس

يتابع العالم أجمع تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب دون إتاحة فرصة لالتقاط الأنفاس، حيث ينصبّ الاهتمام على تصريح يُهدّد فيه بنسف بلد من الوجود، وقبل مرور ساعات معدودة يخرج بتصريح جديد يؤكد فيه إجراء مفاوضات مع طهران يُحتم إرجاء النسف إلى عدة أيام، وفى هذا الوقت تحديداً تنفى إيران حدوث أى اتصالات مع ترامب، وبالتالى فلا أساس لحل قريب فى الأفق.

وحيث إننى عاصرت أزمات دولية كثيرة وكان محركها فى أغلبها بسبب أمريكا وإسرائيل، لأننى طاعنة فى السن، فإننى أشهد بعدم وجود سابقة لدونالد ترامب، المفرط فى التصريحات المتناقضة، والذى كشف، علناً، عن الترابط الوثيق بين واشنطن وتل أبيب التى يعيث رئيس حكومتها، بنيامين نتن ياهو، وحشية لا مثيل لها، مستقوياً بدعم الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد عاصر الجيل الحالى تصرّفات أمريكا التى تدّعى الديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان، ومنها مؤخراً اختطاف رئيس فنزويلا من منزله فى عاصمة بلاده، وقتل رئيس إيران ومعه أربعين عنصراً من كبار المسئولين بالدولة، والمذهل أن ترامب لا يُنكر هذه الاعتداءات والتجاوزات، بل يُهدّد بالاستيلاء على دول أخرى وأقربها كوبا.

وأتصور أن العالم لم يمر بمثل هذه الفترة التى يطيح فيه رئيس دولة متحدياً كل القوانين الدولية والمؤسسات المنوط بها حماية استقلال الدول وأبنائها، ويجاهر ترامب بأن ما يفعله ناجم عن مفهومه هو شخصياً، وكأنه رئيس للكرة الأرضية، يفعل بها ما شاء وقتما شاء.

وسط هذا الاضطراب الغريب، الذى يعانى منه أغلب سكان الأرض الذين لا حول لهم ولا قوة، أخذت أحاول الهروب لحظات قليلة بمشاهدة أفلام قديمة، وعثرت على فيلم «يوم من عمرى»، للفنان العظيم عبدالحليم حافظ، ومر أمامى مشهد وزبيدة ثروت نائمة وحليم يغطيها بهدوء ويخرج من الغرفة باحثاً عن مكان يستريح فيه، وكان معه عبدالسلام النابلسى.

وطبعاً المشهد ذو دلالة توقظ ما رسخ فى الوجدان باحترام المرأة وترفع الرجال وقتها عن الانزلاق إلى تحرّشات جنسية منبوذة، هكذا كان جيلى فى الستينات وما أدراك ما الستينات، حيث كان الدين قيماً ومبادئ، وليس مظاهر تراعى الشكل فقط، وتحمل المرأة جميع أسباب عدم إثارة غرائز الذكر، لأن الذكر، حسب المفاهيم الدينية التى سادت فى عقود ما قبل ثورة ٣٠ يونيو المجيدة كيان ضعيف لا حول له ولا قوة وغير مطلوب منه اعتبار المرأة إنساناً جديراً بالاحترام.

لقد ركز من يسمون بالدعاة فى ما بعد الستينات، على دور المرأة فى الحياة فاختصروا هذه الحياة فى العلاقة الجنسية، ومن ثم يقع على المرأة وحدها عبء التصدى لأى انحراف، بتغطية كل ما فيها، فلا تظهر سوى الكفين والوجه!! ولا سبيل لإصلاح المفاهيم التى شوّهها هؤلاء سوى العودة إلى صحيح الدين الذى كنا نعيش على مبادئه النبيلة قبل ما سُمى بالانفتاح، خاصة على دور الفن، كما ظهر بوضوح فى مشاهد فيلم «يوم من عمرى».. نحتاج إلى التقاط الأنفاس