د. السيد عبدالباري.. وضجيج التسيس والتشدد؟
في كل فترة يتجدد سؤال يتصل بطبيعة الاختلاف الفقهي: أهو مصدر ثراء معرفي، أم مدخل صراع وتنازع؟ ومسألة دعاء الله -سبحانه- بالتوسل بآل البيت الأطهار والصالحين مسألة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، ومع ذلك تحولت إلى ساحة تجاوزت البحث الرصين إلى ميادين الاتهام والتشنيع.
لقد انخرطت تيارات في جدل أظهر ما في خطابها من علل وأسقام، وأتوا بآراء نشاز، ووابل من التبديع والاتهام بالشرك، وشتائم فاقت ألفاظ الشاعرين الحطيئة ودعبل، مع طعن في النيات والسرائر، حتى غدت معاركهم «ظلمات بعضها فوق بعض».
والتحقيق العلمي يقتضي ابتداءً تقرير أن مسألة التوسل ليست من مباحث التصوف ولا العقيدة، وإنما هي من الفروع الفقهية، وقد استقر رأي جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، على جواز التوسل، ولم تعرف الأمة هذا القدر من الحساسية تجاه المسألة إلا في القرن الثامن الهجري، حين نشأت تخوفات من الشرك، فتم توسيع دائرة التكفير والاتهام بالشرك والبدعية، مع أن صيغة التوسل في حقيقتها لا تخرج عن كونها توجهاً إلى الله وحده، يفتتح فيه الداعي دعاءه بقوله: «اللهم إني أسألك»، وهو ما يجزم بإفراد الله تعالى بأنه المقصود بالدعاء، وينفي شبهة الشرك من أساسها.
أما ما أثير من أن صيغة الدعاء فيها إنقاص من قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- لتقديم السيدة فاطمة -رضي الله عنها- عليه، فهو قول يفتقر إلى فهم اللغة وأساليبها، ذلك أن التقديم والتأخير لا يلزم منه تفضيل في المرتبة، بل قد يكون راجعاً إلى اعتبارات بلاغية مختلفة، وقد ورد في القرآن الكريم نظائر متعددة لهذا، حيث تقدم ما حقه التأخير، وتأخر ما حقه التقديم، دون أن يفيد ذلك تفاوتاً في الفضل أو المنزلة.
ففي القرآن الكريم قدم الله هارون على موسى، والأبناء والنساء على الأنفس، والعذاب على النذارة، وقدم حق الرسول على حق الله «لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا»، ومرة قدم الجن على الإنس، واللهو على التجارة، فتقديم السيدة فاطمة في الدعاء من باب تقديم جهة الوسيلة، مع بقاء الأصل على منزلته، ولا يصح أن يُتخذ ذلك ذريعة لإثارة شبهات كما فعل خوارج العصر.
وهنا يُطرح سؤال: لماذا لا يُدعى الله مباشرة دون توسل؟ غير أن هذا السؤال ينطوي على مغالطة؛ إذ يصور التوسل وكأنه دعاء لغير الله، بينما حقيقة التوسل أنه دعاء لله -تعالى- مع اتخاذ وسيلة مشروعة، فالتوسل في جوهره تأكيد لمعنى الافتقار إلى الله وحده، واستمداد القرب منه، بما يحبه ويرضاه.
وإن تعجب فعجب ما صدر عن متعجلين من كُتاب وباحثين ممن افتقدوا التصورات الدقيقة والأدوات المنهجية الكافية، فخاضوا في الأمر بتحليلات سطحية، وآراء مضطربة، ومعلومات منقوصة، فربطوا بين الدعاء والحرب الدائرة في إيران ربطاً متكلفاً عشوائياً، مع أن هذا الدعاء دأب منذ سنوات العالم الجليل على تكراره، بما ينفي عنه أي توظيف سياسي.
والحق أن الدعاء يمكن قراءته في إطار عودة الأمور إلى نصابها التي جرى عليها عمل أئمة المسلمين، غير أن ارتفاع نبرة التشدد أفضى إلى توهم البعض أن ذلك من البدع والشركيات والتشيع، وهي قراءة سطحية، تعكس رغبة كامنة في تكريس أنماط غريبة، حتى يغدو المألوف هو معيار الصواب، ويُستغرب ما عداه، وإن كان مؤصلاً صحيحاً.
وفي الختام، فإن الخطيب الدكتور السيد عبدالباري حسين، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، عالم كبير، وخطيب مفوّه، راسخ في الحفظ، له هيبة ووقار، وجمال وتأنق، وطلاوة وخفة ظل، واستيعاب للمواقف والأنساب، وخطبهُ محكمة متينة، كما أنه بار بأساتذته وتلاميذه، وواعٍ بفقه الخلاف ومناطاته، ومدرك لواقع الناس وقضاياهم، وتاريخه في الدعوة محل إشادة وتقدير، والفقه الأكبر عنده هو الدعوة إلى الله بالحكمة، وتعظيم مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مؤسسة الجيش والأزهر، كل ذلك جعله موضع تقدير في الأوساط العلمية والأكاديمية وبين فئات المجتمع كافة، وجعل كلامه مؤثراً، وجعل المتطرفين يشنّعون ويفزعون.