أزمة الطاقة تفتح شهية أمريكا للسيطرة على كوبا.. نظام تحت الاختبار
أزمة الطاقة تفتح شهية أمريكا للسيطرة على كوبا.. نظام تحت الاختبار
في وقت تعاني فيه كوبا من انهيار غير مسبوق في شبكة الكهرباء، وأزمة اقتصادية خانقة، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من التوتر، بعد تصريحات لمّح فيها إلى إمكانية «السيطرة» على الجزيرة، في لهجة أعادت إلى الأذهان فترات النفوذ الأمريكي المباشر في هافانا، خلال القرن الماضي. وجاءت هذه التصريحات في لحظة حساسة للغاية، حيث واجهت الحكومة الكوبية ضغوطاً داخلية بسبب تدهور الأوضاع المعيشية، إضافة إلى ضغوط خارجية متزايدة من واشنطن، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الجزيرة الكوبية، التي توصف بـ«جوهرة البحر الكاريبي»، على أعتاب أكبر تحول اقتصادي وسياسي منذ أكثر من ستة عقود.
ترصد صحيفة «الجارديان»، في تقرير لها، كيف تحولت أزمة الكهرباء إلى أداة ضغط سياسية، وكيف ترى واشنطن أن الظروف الحالية قد تفتح الباب أمام تغييرات عميقة في النظام الكوبي، حيث تعتبر الصحيفة البريطانية أن «تصريحات ترامب تُعيد لغة الهيمنة القديمة»، مشيرة إلى أنه بعد ساعات قليلة من انقطاع شامل للتيار الكهربائي في كوبا، أدلى الرئيس الأمريكي بتصريحات أثارت صدمة واسعة، عندما قال إنه قد يكون له «شرف السيطرة على كوبا»، مضيفاً أنه قادر على «تحريرها أو أخذها» إذا أراد، وهذه اللغة، حسب مؤرخين، تعيد الأذهان إلى أجواء بدايات القرن العشرين، عندما كانت الولايات المتحدة تعتبر أن لها حق التدخّل في الشأن الكوبي، وتوجيه مساره السياسي.
المؤرخة الأمريكية من أصل كوبي، أدا فيرير، أكدت أن واشنطن كانت، في الماضي، تمارس ما كان يُعرف بـ«التأثير القسري» على كوبا، لكنها وصفت تصريحات «ترامب» بأنها «غير مسبوقة في صراحتها»، وقالت إن السياسيين الأمريكيين لم يستخدموا مثل هذه اللغة العلنية منذ ما يقرب من قرن. وترى «فيرير» أن ما يقوله رئيس الولايات المتحدة اليوم، هو ما كان المؤرخون يحتاجون في الماضي إلى البحث عنه في الوثائق لإثباته.
التصريحات الأمريكية جاءت بينما كانت كوبا تعيش واحدة من أصعب لحظاتها، بعد انهيار كامل في شبكة الكهرباء، أدى إلى انقطاع التيار عن نحو عشرة ملايين شخص، وأدى الانقطاع إلى تعطل الحياة اليومية بشكل شبه كامل، حيث فسد الطعام في المنازل، واشتدّت معاناة السكان مع الحرارة المرتفعة، وتزايدت المخاوف الصحية بسبب انتشار الحشرات والأمراض.
وفي ضواحي العاصمة هافانا، تحدّثت أم شابة عن ليلة كاملة قضتها في محاولة حماية أطفالها من البعوض، في وقت كانت فيه البلاد لا تزال تتعافى من انتشار مرض «شيكونجونيا»، وهو مرض فيروسي ينتقل إلى الإنسان عن طريق لدغات البعوض، الذي أصاب نسبة كبيرة من السكان خلال العام الماضي، ورغم أن كثيراً من الكوبيين كانوا منشغلين بتدبير احتياجاتهم اليومية، فإن تصريحات «ترامب» أثارت غضباً واسعاً، إذ رأى البعض أنها تعكس الأسلوب نفسه الذي يستخدمه تجاه إيران وفنزويلا، والقائم على التهديد والضغط المباشر.
تشير «الجارديان» إلى أن الضغوط الأمريكية على كوبا تصاعدت بشكل واضح في الفترة الأخيرة، خصوصاً بعد تراجع دعم حلفائها في المنطقة، ومن بين أبرز التطورات التي زادت من عزلة هافانا، تصاعد التوتر مع فنزويلا، الحليف التقليدي، وما تبعه من إجراءات أمريكية استهدفت إمدادات النفط، التي تعتمد عليها الجزيرة، كما أصدر الرئيس الأمريكي أمراً تنفيذياً بفرض رسوم على أي دولة تُرسل النفط إلى كوبا، وهو ما أدّى إلى تراجع الإمدادات بشكل حاد، وانعكس مباشرة على حياة المواطنين.
وكان من نتيجة تلك الإجراءات الأمريكية لمعاقبة كوبا، أن كبرى جزر الكاريبي بدأت تعاني نقصاً حاداً في الوقود أدى إلى تراجع في حركة النقل، وتعليق رحلات طيران، وإغلاق مؤسسات حكومية، وتقليص الدراسة في المدارس، إضافة إلى تفاقم انقطاعات الكهرباء، بسبب ضعف شبكة الطاقة وتقادمها، ومنذ عام 2024، تعرّضت الشبكة الكهربائية في كوبا لعدة انهيارات. وشهدت البلاد خلال الأشهر الأخيرة أكثر من انقطاع شامل، مع تأثيرات امتدت إلى إمدادات المياه، وتسبّبت في احتجاجات نادرة.
في مواجهة هذه الضغوط، بدأت الحكومة الكوبية تُظهر استعداداً لإجراء تغييرات اقتصادية، في محاولة لتخفيف التوتر مع واشنطن، إذ أعلن نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراجا، أن بلاده منفتحة على إقامة علاقات تجارية مع شركات أمريكية، وكذلك مع الكوبيين المقيمين في الولايات المتحدة وأبنائهم. وأوضح أن الانفتاح قد يشمل قطاعات رئيسية من الاقتصاد، وليس فقط المشروعات الصغيرة، في إشارة إلى احتمال حدوث تحول أوسع في السياسة الاقتصادية.
وتحدّثت تقارير إعلامية أمريكية عن أن المفاوضين يضغطون من أجل تغييرات سياسية أعمق، قد تشمل إعادة تشكيل القيادة في كوبا، بما في ذلك مطالب بتنحي الرئيس ميجيل دياز كانيل، وحسب «الجارديان» فإن هذه التصريحات تعكس اعتقاداً في واشنطن بأن الأزمة الحالية قد تُمثل فرصة نادرة لدفع كوبا نحو تحول كبير في نظامها السياسي والاقتصادي، وأن أزمة الطاقة قد تُصبح نقطة تحول تاريخية.
وترى أنه مع استمرار ضعف شبكة الكهرباء، وتكرار الانقطاعات، يخشى كثير من الكوبيين أن تكون البلاد على أعتاب مرحلة جديدة غير مسبوقة، فإذا لم تتمكن الحكومة من إعادة الاستقرار إلى قطاع الطاقة، وإذا استمرت الضغوط الأمريكية في التصاعد، فقد تجد هافانا نفسها مضطرة إلى إجراء إصلاحات هي الأكبر منذ انتصار الثورة عام 1959.
وتختتم الصحيفة البريطانية تقريرها بالتأكيد على أن ما يجري في كوبا اليوم ليس مجرد أزمة طاقة، بل لحظة مفصلية، قد تحدّد مستقبل النظام في كبرى جزر البحر الكاريبي، في ظل تزايد الضغوط الخارجية، وتراجع قدرة الدولة على احتواء الأزمات الداخلية.