1990.. البداية

حاتم جمال

حاتم جمال

كاتب صحفي

أذكر، أيام الدراسة الجامعية، سألنا أستاذ التاريخ، الذي كان يدرس لنا الكشوف الجغرافية، عن جدوى دراسة التاريخ؟.. الكل أبدع في الإجابات التي تصب في جملة واحدة «لولا التاريخ لما كان هناك حاضر ولا مستقبل».. لا أعرف ما سبب استحضاري لهذه الذكرى أثناء متابعة حرب أمريكا وإسرائيل مع إيران، ولكن لفت انتباهي أن عام 1990 كان بداية كل شيء يحدث الآن، وأن كل الأحداث التي مرت بالعالم والمنطقة العربية بدأت من هذا العام المفصلي في التاريخ من وجهة نظري.

فانهيار سور برلين في 9 نوفمبر 1989، أي قبل بداية العام بأيام، كان الشعلة لانتهاء عصر القطبين المسيطرين على العالم وبداية انتهاء الاتحاد السوفيتي بعد فشل إصلاح جورباتشوف في احتواء النزاعات الداخلية والخروج من الأزمات الاقتصادية وسط ركود كبير واستنزاف موارد الدولة في حرب أفغانستان، وهو ما أسفر عن تقلص الشيوعية في العالم لتتوغل محله الرأسمالية التي تقودها أمريكا وأوروبا الغربية، وليس بالغريب أن ينهار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ويقسم لـ15 دولة، منها دول متناحرة انخرطت في «الحرب الشيشانية الأولى والثانية والحروب اليوغسلافية وحرب استقلال أوكرانيا وحرب البوسنة والهرسك» وغيرها على مدار عقد التسعينات، فانتهى عصر الشيوعية الذهبي وانتهت الحرب الباردة بانتصار الولايات المتحدة، وهنا خرج المارد الأمريكي ليعلن سيادته للعالم وعلى كل الدول الاعتراف به كملك مطلق للعالم بأسره في واقعة لم يشهدها تاريخ البشرية أن يسيطر قطب على العالم.

هذا على المستوى الدولي، فماذا على مستوى الشرق الأوسط؟

العراق خرجت لتوها من الحرب مع إيران بعد سنوات ضاعت فيها موارد الدولة وتعرضت لديون قاسية، وكان ينظر لثروات الخليج كأنها حق مكتسب له فاتهم صدام حسين الكويت بإغراق السوق بالنفط وتخفيض الأسعار، وأشار على سفير أمريكا بغزو الكويت، وما إن أخذ الضوء الأخضر إلا واحتل الكويت في أغسطس من نفس العام لتكون المحافظة 19 في العراق، ولم ينتبه لتحذيرات مصر والرفض القاطع للغزو التي اعتبرته تهديداً للأمن القومي العربي.

وقاد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك جهوداً مكثفة لاحتواء الأزمة، وسعى لإدانة الغزو من معظم الدول العربية، كما أدانت الأمم المتحدة هذا الغزو وقررت إرسال قوة تحالف بقيادة أمريكا لتحرير الكويت شاركت مصر فيها بـ34 ألف جندي «الفرقة الرابعة مدرعات والثالثة مشاة» فيما عُرفت باسم «عاصفة الصحراء»، فقامت بتحرير الكويت من العراق في 48 ساعة فقط، وكانت من أوائل القوات التي دخلت الكويت وسط ذهول قوات العالم، وخاصة جنود المارينز الأمريكي الذين وصفوا الجنود المصريين بأنهم غير آدميين.

من هنا بدأ التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، وقاموا ببناء القواعد الأمريكية في عدد كبير من دول الخليج، حيث وقَّعت دول خليجية اتفاقات دفاعية لحمايتها من التهديدات الإقليمية، وصلت لـ39 قاعدة عسكرية بها ما يزيد على 35 ألف جندي، وهي القواعد التي استخدمتها أمريكا في غزو العراق 2003 وقال عنها جورج بوش، رئيس الولايات المتحدة ساعتها، إنها حرب صليبية جديدة في الشرق الأوسط. وعندما ثارت موجة غضب من جميع الدول العربية اعتذر البيت الأبيض وأكد أنها خطأ في الترجمة، وعقب سقوط العراق بعد ادعاءات أمريكا بامتلاك أسلحة نووية وتدمير جيشها الذي كان يمثل قوة لا يستهان بها في المنطقة توغل في المنطقة وأصبحت هذه القواعد وبالاً على دول الخليج في حرب أمريكا وإسرائيل على إيران. ليته ما أخذ الضوء الأخضر.