لماذا لم يمت العندليب؟

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

في نهاية مارس ودعنا عبدالحليم حافظ وهو ابن الثامنة والأربعين من عمره، وها هو يعيش 49 سنة بعد رحيله، أي إنه قد تجاوز عمره الحقيقي على الأرض، وظل ساكناً في القلب والوجدان حتى هذه اللحظة، بنفس زخم الحضور، ما زلنا نستمع إليه نحن والأجيال التي بعدنا بنفس الاستمتاع، ما زال مطربون شباب يعيدون توزيع أغانيه، ما زالت هناك أعمال درامية تتسلل منها أغاني حليم وسط المشاهد.

السؤال: لماذا لم يمت العندليب؟ ما سر هذا الخلود، وذلك التجدد؟ حليم إفراز زمن ومناخ وظروف تضافرت كلها لصناعة أسطورة من صفاتها التشكل وشماً لا يمحى من القلب والروح، عبدالحليم مصري جداً، مصري قوي، لا يمكن أن تخطئه عين في أن جيناته مصرية تماماً، لو حللنا جينوم عبدالحليم لن نجد أي عكارة أو طفرات دخيلة في شريطه الوراثي، شريط في منتهى الصفاء الشرقاوي المصري الأصيل، حتى مرضه المزمن الذي حرمنا من فنه في وقت مبكر، كان مرضاً مصرياً متفرداً، دودة البلهارسيا تحمل ختم صنع في مصر، ورث الكبد المصري المكدود، هزال وشحوب الفلاح الممصوص النحيل، غنى على المسرح وهو ينزف، خارجاً من نوبة قىء دموي، ومثل وارتدى المايوه في «أبى فوق الشجرة»، وبطنه مشوه من خيوط الجراحة، منزوع الطحال، مربوط المرىء لضمان عدم انفجار الدوالي أمام الكاميرا.

لحظة صعوده كانت مع صعود حلم الغلابة، بعد ثورة 52 غنى عبدالحليم بنبرة مختلفة، للحب وللمحبين، للفلاح وللعامل وللموظف، الذين كانوا مطرودين من جنة الفن والأغنية، غنى بدون حزق، ولا سلطنة، لكنه كان دوماً حنجرة مسكونة بالشجن، والألم، ذلك الشجن المصاحب للمصرى حتى عندما يضحك، ثم يتدارك الابتسامة، ويطردها، قائلاً «اللهم اجعله خير»، كان لديه بساطة فلاح، وأيضاً لؤمه الدفين، لؤم أجبر عليه هذا حامل الفأس، جامع لطع دودة القطن، حفار القناة، منذ غابر الزمن، لكي يستطيع التعايش مع الموظف المستعمر، أو الطاغية الجبار، ذكاء حاد، وإخلاص يصل لحد الرهبنة تجاه الفن، عطل كل رغباته من أجل هذا الفن، هو مصري حتى النخاع، كان معها انتصاراً وانكساراً، وبعد هزيمة 67.

كان المطرب الوحيد الذي لم يلطم، لكنه غنى لموال النهار، لبلدنا اللي ع الترعة بتغسل شعرها، بعد أن انكسر حلمه في تماثيل الرخام على نفس الترعة، بعد أن انهزم شاعره القديم جاهين نفسياً، وخرج شاعره الجديد الأبنودي من السجن عنيداً، لم يقدم «شنبو في المصيدة»، لكنه قدم هزيمة جيل في «أرجوك لا تفهمني بسرعة»، للكاتب الصحفي محمود عوض، الذي فقدناه صغيراً هو الآخر، لم يمت العندليب لأنه غنى معنا، وعنا، ولم يغن علينا، صوته شبهنا، ليس بقوة صوت الجبل، وليس بامتداد صوت الصحراء، لكنه من طمي النيل، فيه من رقرقة الماء السلسبيل، وأحياناً من فيضان أحزانه الجارفة، استمع إليه وهو ينتحب نازفاً من الألم في «وسترجع يوماً يا ولدى مهزوماً مكسور الوجدان، وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان»، حتماً ستبكي على ضفاف حنجرته، وستبكي على عندليب غرد شجناً، ولم يغادر سجناً، سجن وزنزانة صدورنا، التي كلما احتاجت ونساً، قدمت طلب لجوء عاطفي إلى عبدالحليم حافظ.