سياسة العقل في زمن الجنون الاستراتيجي (1)
تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة من «الجنون الاستراتيجي» الذي لم نر له مثيلاً منذ تفكك النظام الإقليمي التقليدي في أعقاب الحرب الباردة.
ونرى هذا «الجنون الاستراتيجي»، حيث تتغلب حسابات القوة الصلبة والمغامرة على منطق التوازن والحكمة.
وفي هذا السياق المضطرب، تبرز مصر بوصفها حالة مغايرة، تتبنى نهجاً يمكن وصفه بـ«سياسة العقل»، قائماً على إدارة الأزمات لا تفجيرها، واحتواء التوتر لا تأجيجه، والبحث عن حلول وسط لا فرض وقائع بالقوة.
شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الأخير موجات متتالية من الصراعات، بدءًا من الحروب الأهلية، مرورًا بالتدخلات الإقليمية والدولية، وصولًا إلى تصاعد حدة الاستقطاب بين قوى كبرى وإقليمية.
في هذا المشهد، اختارت بعض الدول انتهاج سياسات هجومية، قائمة على التوسع أو فرض النفوذ عبر أدوات عسكرية أو شبه عسكرية، بينما انجرفت قوى أخرى وراء رهانات أيديولوجية ضيقة، أدت فى كثير من الأحيان إلى تفكيك الدول الوطنية وإضعاف مؤسساتها.
على النقيض من ذلك، يمكن ملاحظة أن مصر تبنت مقاربة مختلفة، تنطلق من فهم عميق لتعقيدات البيئة الإقليمية، وإدراك حاد لمخاطر الانزلاق إلى صراعات مفتوحة لا يمكن السيطرة على مآلاتها.
هذه المقاربة لا تعنى الحياد السلبي، بل تقوم على الانخراط العقلاني، والتدخل المدروس الذي يوازن بين حماية المصالح الوطنية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي في الوقت نفسه.
وبينما ينزلق العديد من القوى الإقليمية والدولية إلى مغامرات عسكرية مكلفة، استقطابات أيديولوجية حادة، وصراعات بالوكالة، تبرز مصر كاستثناء واضح في هذه المعادلة المضطربة.
على المستوى السياسي، تتبنى القاهرة منهجاً فريداً يمكن وصفه بـ«سياسة العقل»، الذي يجمع بين الثبات الانفعالي، والصبر الدبلوماسي، وحسابات الربح والخسارة الباردة، في مقابل منطق المغامرة والاستقطاب الذي تتبناه قوى أخرى في المنطقة.
تستند سياسة العقل المصرية إلى ركيزة أساسية، تتمثل في اعتبار الدولة الوطنية هي الإطار الحاكم للسلوك السياسي، على عكس ما تقوم به بعض القوى الأخرى في المنطقة، التي تسعى لتصدير النماذج أو تفكيك الدول.
وفي الوقت الذي تنخرط بعض الأطراف الإقليمية في مشاريع توسعية، تستند إلى النفوذ الطائفي أو الأيديولوجي، تدرك مصر أن أمنها القومي يبدأ من حدودها وينتهي عند قدرتها على تحقيق الاستقرار الداخلي لشعبها الذي يتجاوز أكثر من 110 ملايين نسمة.
هذا الإدراك العميق لطبيعة الدولة ككيان تاريخي -وليس كمرحلة عابرة- جعل القاهرة تتجنب الانزلاق إلى فخ «الدولة العميقة» الإقليمية التي تستنزف مواردها في صراعات لا نهاية لها، ولا طائل من ورائها.
الرؤية المصرية ترى أن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تتحكم في وتيرة تفاعلها مع ظروف الإقليم ومتغيراته، لا أن تكون رهينة لتقلباته.
أما على المستويين الاقتصادي والتنموي، فالفارق ملحوظ بين نهج مصر ونهج القوى المتصارعة.
وفى الوقت الذى تراهن فيه بعض دول الإقليم على القوة العسكرية أو الابتزاز الجيوسياسي، انخرطت مصر -عقب ثورة 30 يونيو- في تأسيس مشروعها التنموي الضخم.
وللحديث بقية.