مين اللي طفى النور؟
أهم نتائج الحرب الأمريكية على إيران أن اضطرابات الأسواق المحلية الناتجة عن موجات التضخّم المستوردة لن تنتهي، على الأقل على المدى القريب والمتوسط، فالحروب الأمريكية عادة ما تكون طوق النجاة الأقرب لأي رئيس أمريكي للهرب من مواجهة الأزمات الداخلية المتنوعة، وأبرزها الأزمة الاقتصادية التي عادة ما تشهد حالة من الانتعاش على مستوى الاقتصاد الكلي في حالات الحرب، حيث يقتات الاقتصاد الأمريكي فيها على غنائم الحروب، وطالما ظلت معادلة الحرب هي التي توفر لأي رئيس أمريكى معادلة الهرب + الحل الاقتصادي السريع، فلا أظن أن السلام سيعرف طريقه قريباً إلى الأرض!
وما يهمنا من ذلك هو انعكاساته على الأسواق المحلية، وما ينتج عنه من آثار تضخّمية تفرض نفسها على الجميع بلا استئذان، والضرر العائد من وراء ذلك على المستوى المعيشي للمواطنين، لاسيما من محدودي الثقافة ومنخفضي الوعى، وهي الفئة التي تشكل بالمناسبة الغالبية العظمى من أي مجتمع، لذلك أصبح ضرورياً أن نبحث عن حلول مجتمعية واقتصادية لمواجهة هذه الأزمة، التي يبدو من السنوات الست الأخيرة أنها أصبحت سمة من سمات المرحلة الحالية.
ولأن مصادر الطاقة التقليدية لها نصيب الأسد من موجات التضخّم الدولي، نتيجة التوسع في الطلب المحلي على الطاقة، والناتج عن التوسّعات العمرانية العشوائية في القطاع المنزلي، فضلاً عن التوسّع في إنشاء المناطق الصناعية في القطاعات غير المنزلية، ولا يخفي على أحد تضاعف أسعار النفط جراء الحرب الحالية في مضيق هرمز، فلا بد أن نتفاعل مع الأزمات الناتجة عنها لحظياً، ونفعّل الحلول المطلوبة لتجاوز هذه الأزمة، وأهمها التوعية المستمرة عبر وسائل الإعلام المختلفة، وشرح الأسباب للمواطنين باستفاضة وبساطة ويسر.
وثاني هذه الحلول العاجلة، هو الإنتاج المحلي للطاقة، وهو أمر حيوي لتجنّب التقلبات المستمرة في الأسواق الدولية، سواء عبر التوسّع في التنقيب عن مصادر جديدة للطاقة التقليدية، أو التوسّع في تنفيذ برامج إنتاج الطاقة المتجددة عبر التوسع في إنشاء محطات إنتاج الطاقة الشمسية أو الرياح، ورغم نجاح الحكومة في الحصول على فرص استثمارية كثيرة في هذه المجالات، إلا أن معدلات التنفيذ ما زالت بعيدة عن طموحات المواطنين، كما أن هناك مقترحات وجيهة بخصوص طرح هذه الفرص للاستثمار في السوق المحلية، مما يسهم بفاعلية في حل أزمة الطاقة وتوفير فرص عمل سنوية.
ثالث هذه الحلول هو خطط خفض الاستهلاك وترشيد الإنفاق الحكومي، وهو ما لن يتأتى إلا عبر برامج تشغيلية مرنة تتّسم بالكفاءة والفاعلية، كما تحتاج الحكومة إلى مراجعة أنشطتها وتعاقداتها والتزاماتها المادية قصيرة ومتوسطة الأجل، بحيث تختفي الأخبار الاستفزازية، والتي يعول عليها أهل الشر كثيراً في ضرب الثقة بين المواطن والدولة وليس الحكومة وحدها.
رابع هذه الحلول هو تقليل حجم المهدر من الطاقة، سواء كان الإهدار ناتجاً عن سرقة التيار الكهربائي والأسواق العشوائية التي تنتشر في كل محافظات مصر، أو عن طريق عيوب في الأجهزة التي تعتمد عليها المصانع والمنازل في عملياتها التشغيلية وأنشطتها اليومية، وما يستلزم ذلك من ضرورة تفعيل استراتيجيات الرقابة ومكافحة هذه الأسواق.
ولا ينبغى أن نغفل هنا عن دور مظلات الحماية الاجتماعية المختلفة في مواجهة هذه الظروف الاستثنائية، واعتماد استراتيجيات ذكية تضمن كفاءة الوصول إلى هذه الفئات، والأهم أن ندرك جميعاً أن هذه الأزمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، في ظل عالم يرى في الحروب وسيلة وحيدة في تحقيق أطماع توسعية أو الهرب من الالتزامات السياسية، والثمن تدفعه الشعوب من قوتها ومواردها واستقرارها أيضاً!