سياسة العقل في زمن الجنون الاستراتيجي (2)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

تمثل المشروعات القومية في مصر، كالعاصمة الإدارية الجديدة، وشبكة الطرق القومية العملاقة، واستكشافات حقول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، فلسفة مختلفة تماماً، تقول إن «القوة الحقيقية تُصنع في الداخل قبل أن تُمارَس في الخارج».

هذا التحول نحو التنمية الداخلية كأولوية استراتيجية يأتي في توقيت مهم، وأثبتت الأزمات المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، أن الدول التي تمتلك بنية تحتية اقتصادية صلبة ومرونة، هي وحدها القادرة على الصمود أمام كل هذه المواقف الصعبة.

في المقابل، فإن القوى التي ركزت استراتيجيتها على أدوات العنف والنفوذ العابر للحدود، وجدت نفسها اليوم تواجه معضلات وجودية داخلية وتحديات اقتصادية خانقة لا تستطيع حلها بأدوات الأمن والصراع.

على صعيد المواجهة مع التهديدات غير التقليدية، خاصة الإرهاب والتطرف، قدَّمت مصر نموذجاً مختلفاً في المكافحة.

فلم تكتفِ بالحل الأمني وحده، وأدركت أن استئصال الإرهاب يتطلب مشروعاً وطنياً ثقافياً موازياً.

وتسعى مصر بقوة إلى تجديد الخطاب الديني، وإعادة بناء المؤسسات الدينية الوطنية، ومكافحة الفكر المتطرف، وهو ما يمثل نهجاً متكاملاً يتناقض مع النماذج الأخرى التي إما وظفت التنظيمات المتطرفة كأدوات للضغط الجيوسياسي، أو عجزت عن تقديم بديل فكري يجفف منابع التطرف.

وهذا ما يجعل التجربة المصرية أكثر استدامة، لأنها تتعامل مع أسباب المرض من جذوره وليس فقط مع أعراضه.

ولكن «سياسة العقل» هذه لا تعني الحياد السلبي أو الانعزال، فمصر لاعب فاعل في المعادلات الإقليمية الكبرى، ولكن بمنطق مختلف هو منطق «التوازن المرن».

وفيما تسعى القوى المتصارعة إلى حلفاء ثابتين ودائمين، تتحرك مصر بمرونة بين مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، محتفظة بمسافة متساوية من الجميع.

في القضية الفلسطينية -على سبيل المثال- حافظت مصر على دورها المحوري كوسيط رئيسي، مستندة إلى رصيد تاريخي من العلاقات، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف.

وفيما اندفعت بعض القوى نحو مواقف متطرفة أو شعاراتية، التزمت القاهرة بخطاب واقعي يسعى إلى وقف التصعيد وتخفيف المعاناة الإنسانية، دون التخلي عن الثوابت المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني، وهذا التوازن بين المبدأ والواقعية يعكس جوهر «سياسة العقل» التي تتبناها.

وفي ما يتعلق بالعلاقات مع القوى الكبرى، انتهجت مصر سياسة تنويع الشراكات، رافضة الارتهان لمحور واحد.

ففي وقت يتصاعد فيه التنافس بين القوى الدولية، اختارت القاهرة أن تحافظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما يخدم مصالحها الوطنية ويجنبها الوقوع في فخ الاستقطاب الحاد.

والممارسة الواقعية خير شاهد، فعضوية مصر في مجموعة «بريكس» إلى جانب روسيا والصين، مع استمرار شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تكشف عن رؤية واضحة للعالم متعدد الأقطاب.

هذه السياسة تعكس فهماً عميقاً لتحولات النظام الدولي، حيث لم يعد من الحكمة الاعتماد على شريك واحد في عالم متعدد الأقطاب.

في المقابل، يمكن وصف سياسات بعض القوى الإقليمية والدولية بأنها أقرب إلى «الجنون الاستراتيجي»، حيث تغلب النزعة إلى فرض الهيمنة أو تحقيق مكاسب سريعة على حساب الاستقرار طويل الأمد.

وللحديث بقية.