هيا نحكم على «إنجي» و«ميديا»

رحاب لؤي

رحاب لؤي

كاتب صحفي

«يا ولديّ أعطني، أعطيا أمكما يمناكما أقبلها، يا لهذه اليد التي أحببتها، ويا لك من فم أحبه كل الحب، يا لهذه الطلعة البهية والوجه المشرق، وجه ولديّ العزيزين، فلتنعما بالسعادة هناك في الآخرة فإن أباكما قد حرمكما منها في الدنيا» كانت تلك هي الكلمات الأخيرة التي وجّهتها ميديا لأبنائها قبل أن تقتلهم انتقاماً من زوجها «جاسون»، ذلك الذي تحدّت عائلتها من أجل الزواج منه، رغم أنه من الأعداء، ثم لم يلبث أن قام بخيانتها وهجرها، لتقرر عقابهم بشكل جماعي، ليس لأنها خائفة من الغد لا بسبب اليأس وحسب، ولكن كعقاب وانتقام، للتخلي والخذلان!

الحوار السابق مقطع من مسرحية ميديا ليوربيديس، من ترجمة كمال ممدوح، شاركته الكاتبة والناقدة المسرحية رشا عبدالمنعم التي ربطت فوراً بين حادث كرموز وأسطورة ميديا اليونانية، والحق جريمة «كرموز» وبطلتها إنجي، السيدة التي تشاركت في قتل أبنائها الخمسة مع ولدها الأكبر قبل أن تقتل نفسها وتوجه ولدها السادس للانتحار، تتكرر القصة بشكل عجيب، على مدار التاريخ، لكن هذه المرة في مجلد «الجرائم الخمسمائة وواحد الأسوأ والأشهر في العالم» للكاتب الأمريكي كليفورد إيرفنج، التي تحمل قصة بعنوان ملكة السم في أمريكا، ليديا دانبوري، والتي قررت قتل أبنائها الستة الذين تتراوح أعمارهم بين 9 أشهر و18 سنة قبل أن تموت متأثرة بالسرطان في 16 May 1878.

يزداد التعقيد هنا في تلك القصة، بشدة، تظهر العائلة للأم لتؤكد أنهم كانوا يحاولون بكل الطرق الوصول لابنتهم واستعادتها، بعد أن تركتهم وتزوجت من اختارته بنفسها رغماً عنهم، تبكي الأم وتقسم أنهم ميسورون وأنها لو لجأت لهم ما خذلوها، إذا كان ثمة أمل، وكانت ثمة محاولة متاحة.. فلماذا أصرت «إنجي» على السيناريو الأبشع؟

يدافع البعض عن «إنجي» التي يقول ابنها إنها كانت مصابة بمرض السرطان وأنها كانت قد وصلت إلى مرحلة صحية صعبة حتى بلغ وزنها 40 كيلو، ويقول إن الأب لم يرسل لهم أموالاً منذ شهور، لكن ما يلفت النظر هنا هو لحظة القرار، تلك التي تلت قرار الزوج بالانفصال، العنصر الوحيد الذي تغير في لحظة فتغير من بعده كل شيء، واتخذت الأم قرارها أخيراً بالقضاء على كل شيء، أو بالأحرى هدم المعبد على من فيه، هكذا يمكن الحكم بسهولة شديدة على «إنجي» باعتبارها «قاتلة» باعتبارها صاحبة الفكرة، مع حالة من الحيرة القوية، هل كانت أنانية حين قررت قتل أولادها أم أنها اتبعت الفطرة التي تدفع القطط إلى أكل أولادها بدورهم خوفاً عليهم وحباً فيهم.

لكن مهلاً، يقول المثل الشعبي: «اللي على الشط عوام»، و«اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار» ربما هذا بالضبط ما حاول الطبيب والروائي المصري حسن كمال التقاطه ببراعة، حين أفزعه الحادث للدرجة التي قام معها بالبحث المعمق خلفه ليصل إلى أمر مثير ومذهل للغاية، ربما يغير من نظرتنا إلى قصة ميديا الأسطورية، وقصة ليديا المرعبة، وربما يمنحنا إجابة «علمية» مقبولة ومنطقية للغاية، يقول: «هناك حالات بنفس تشخيصها أصيبت بنوع من الجنون أو الاضطرابات النفسية بعد انتشار الورم إلى المخ، حالات من الاضطراب العقلي والاكتئاب وأعراض فصام وجنون مصحوبة بعنف وتهيؤات، لا مبالاة، اكتئاب، ذهان، وللأسف يكون تشخيصها صعباً حتى على الأطباء فما بالك بسيدة مسكينة لم تتلقَّ علاجاً منذ شهور لضيق ذات اليد ولعدم وجود من يعينها على المرض اللعين الذي انتشر ولم ترَ طبيباً للتشخيص أو الملاحظة».

ربما كانت «ميديا» في الأسطورة اليونانية مريضة جداً، كما هو الحال مع «ليديا» التي وللمصادفة العجيبة توفيت أيضاً بالسرطان، ربما الأمر أبعد من رغبة عمياء في «كيد» الزوج، ومنحه شعوراً بالخسارة، خاصة إن كان بلا فائدة، أنظر للصور، أتأمل وجوه الأطفال الستة، هذه امرأة رغم مظاهر الفقر الواضحة، كانت تجيد الاعتناء بهم، أطفال لا يبدو على أي منهم سوء التغذية أو علامات سوء معاملة، تحيطهم بذراعيها بحب ولطف، ربما الأمر ليس بحاجة إلى «حكم» لكنه في الواقع بحاجة إلى «رحمة» وانتباه أن النساء المريضات جداً، لن يكنّ أمهات بكامل كفاءتهن للنهاية.