عن واقعة «أطفال الشيخ».. السوشيال ميديا جرى فيها إيه؟

تابعت بانزعاج واقعة التنمر على المواطن محمد حسن الشيخ وأطفاله، ليس لأن ما حدث صادم، لكن لأننا لم نعد نصدم، وهنا يبدأ الخلل الحقيقي، عندما يتحول الألم إلى مشهد عابر، والقسوة إلى محتوى.

الحكاية بسيطة حد البراءة، أب التقط صورة في العيد، لا استعراض، لا ادعاء، مجرد لحظة يقول فيها: «هذا عالمي، هؤلاء أطفالي، وهذه فرحتي».

لكن الفرح لم يعد يمر كما هو، يفتش فيه، يساء فهمه، ثم يلقى في ساحة مفتوحة، حيث الكلمة أسرع من التفكير، وأقسى مما ينبغي.

في الصورة، أب مع أطفاله، يحاول ـ ككل الآباء ـ أن يبدو أقوى مما يشعر، وأن يمنحهم أمانا قدر ما يستطيع، في التعليقات شيء آخر تماما، ملامح صارت مادة، والاختلاف تهمة، والبراءة هدفا سهلا، لم ير البعض إنسانا، بل فرصة للسخرية، والإدانة، وإطلاق أحكام لا تكلّف سوى ضغطة زر، لكنها تكلف غيرهم كرامتهم.

ثم جاء الصوت: «هو أنا مش من حقي أفرح؟»

جملة قصيرة قالها الأب، لكنها موجعة، كشفت أن المسألة لم تعد كلمات، إنما جرحا حقيقيا، فالإنسان قد يحاكم فقط لأنه حاول أن يكون سعيدا.

هذا السؤال ليس له وحده، بل لنا جميعا:

متى أصبح الفرح يحتاج إذنا؟

ومتى صارت الابتسامة تحتاج تبريرا؟

القسوة لم تتوقف عند السخرية، لكنها ظهرت بصيغة أخرى أكثر تعقيدا، خطاب يقدم نفسه كوعي، وهو في حقيقته إدانة، اتهامات بأن الأب مسؤول عن معاناة أطفاله، وكأن الإنسان يختار ملامح أطفاله، أو يتحكم في قوانين الخلق.

والحقيقة أبسط من ذلك، فلا أحد يضمن حياة بلا ابتلاء، والعلم نفسه لا يمنح يقينا كاملا.

فكيف تحول الاحتمال إلى إدانة؟

وكيف صار الأب متهما لأنه أب؟

كما أن المفارقة المؤلمة، من قال إنه يدافع عن الأطفال، بدأ بإيذاء أبيهم، رغم أنه لا يمكن أن تحمي طفلا بكسر أبيه، ولا أن تدافع عن إنسان بنزع إنسانيته، والأب هنا ليس خصما، بل سند، هو من سيبقى، هو من سيحمل، ويواجه العالم، أما الذين يكتبون فيمضون.

نعم، نحتاج حديثا عن الطب والاحتمالات وتقليل المخاطر، لكن بلغة تحترم الإنسان، لا تحاكمه، أما حين يتحول الحديث إلى تجريح، فهذا عنف، والأخطر أن يقال عن الأطفال إنهم جاؤوا ليعذبوا، كأن وجودهم خطأ، وهنا لا نكون أمام رأي، لكن أمام قسوة خالصة، لأن كل إنسان ـ أيا كان شكله أو حالته ـ له حق كامل أن يعيش، ويحب، ويرى كإنسان.

المشكلة ليست في واقعة واحدة، بل فيما تعكسه، فكيف يمكن للكلمة أن تؤذي، وكيف تقتل السرعة التفكير، وكيف نمر على وجع واضح دون أن نتوقف، لا نشعر متى نفقد إحساسنا، لا يوجد إنذار، فقط تكرار، حتى يصبح كل شيء عاديا.

ما حدث ليس استثناء، كل يوم نرى القسوة نفسها، خلافات تتحول إلى تريند، أسرار تنشر، وجروح تعرض على الملأ، صرنا نبحث عن التعاطف في مكان لا يعرف الرحمة، ونؤذي بعضنا، ونسمي ذلك رأيا.

في الماضي، كانت هناك أشياء لا تقال احتراما، كان للبيت حرمة، وللخلاف حدود، أما الآن، فكل شيء قابل للنشر، وكل إنسان قابل لأن يتحول إلى قصة مؤقتة، لكن الأثر، لا يكون مؤقتا.

في النهاية، لن تبقى التعليقات ولا الضجة، سيبقى فقط أثر خفي، أب سيتردد قبل أن يفرح علنا، وأطفال قد يكبرون وهم لا يفهمون، لماذا كان العالم قاسيا هكذا.

ويبقى السؤال:

هي السوشيال ميديا جرى فيها إيه؟

أم.. هو إحنا اللي جرالنا إيه؟