«إحياء الموتى رقمياً».. بيزنس يُهدد البشرية

كتب: إنجي الطوخي

«إحياء الموتى رقمياً».. بيزنس يُهدد البشرية

«إحياء الموتى رقمياً».. بيزنس يُهدد البشرية

هل شعرت يوماً بالحنين الشديد لأحد أحبائك الذين توفاهم الله، وتمنيت لو عاد بك الزمن للحديث معه ولو لثوانٍ، أو لتعبر له عن حبك له؟ تلك الأمنية لا شك أنها خطرت ببال جميع البشر في بعض الأحيان، ثم ما لبثت عقولهم أن طردتها في ثوانٍ بعد إدراك مدى سذاجة الفكرة أو استحالة تحقيقها.

فيديو بعنوان «رسالة من العالم الآخر» يتخيل شكل حياة 50 فناناً مصرياً في الجنة

لكن هذا الخيال صار بالإمكان حدوثه بسهولة فقط بمبلغ 3300 جنيه مصري من خلال الذكاء الاصطناعي فيما صار يُعرف باسم تجارة «القيامة الرقمية» أو «إحياء الموتى رقمياً»، وهو تعبير يعني إمكانية التواصل مع الأحباء من الموتى افتراضياً من خلال تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وتحاول «الوطن» في السطور القادمة فهم طبيعة هذه الظاهرة العالمية التي بدأت تتسرب إلى مصر، ورصد تأثيراتها النفسية والاجتماعية على المجتمع، مع كشف مدى قبولها من الناحية الدينية.

مع فتح باب النقاش حول تقنية «إحياء الموتى رقمياً» قد يبدو للبعض أنها ظاهرة ما زالت بعيدة عن الدول العربية ومنها مصر، باعتبار أن التطور التكنولوجى في تلك الدول ما زال يخطو ببطء مقارنة بالدول الغربية والصين التي تتسارع فيها معدلات التطور التكنولوجي بشكل ضخم، ولكن في الحقيقة المشهد في مصر خالف تلك التوقعات.

ففى نهاية شهر سبتمبر الماضي، ظهر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، تمت صناعته باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي تحت عنوان «رسالة من العالم الآخر» لم يتخطَّ مدة دقيقة ونصف، ولكنه تضمّن ظهور مجموعة كبيرة من الفنانين المصريين رحلوا عن الحياة، وصل عددهم إلى 50 فناناً، وحاول صانع الفيديو تخيل شكل حياة هؤلاء النجوم الراحلين في الجنة، بل وتخيل مشاعرهم إذا التقوا بأبنائهم، سواء مشاعر سعادة أو حنين، رسمها بكل وضوح على وجوههم.

صدمة وعدم استيعاب

«الصدمة» بدت في رد فعل الفنانة «حنان مطاوع» بعد مشاهدة الفيديو، والذي ظهرت فيه وقد تم تجسيدها بالذكاء الاصطناعي وهي تحتفل مع والدها الفنان الشهير «كرم مطاوع» بعيد ميلاده، بينما تبدأ فى البكاء بعد أن ترى سريره في المستشفى خالياً، وعبّرت «حنان»، على حسابها على الفيس بوك، عن غضبها الشديد من الفيديو، وأرجعت ذلك إلى أنه لم يتم استئذانها، ولم تتم مراعاة مشاعر الحزن على رحيل والدها التي تحاول تجاوزها قدر الإمكان، ولكنها لم تستطع حتى الآن.

3

حاولت «الوطن» التواصل مع الفنانة «حنان مطاوع» بشأن ذلك الفيديو، لكنها أعلنت رفضها القاطع للحديث عن الأمر لأنه يسبب لها المزيد من الحزن على وفاة والدها، بينما تحاول تجاوزه، قائلة: «لا أريد أن أكون لحوحة أو أعيد فى هذا الأمر، خصوصاً أنه يسبب لي ألما، وقد شرحت على صفحتي على الفيس بوك، وأحد البرامج التليفزيونية الشهيرة رأيي بالتفصيل، وقلت إنه ليس من حق أي حد أن يستخدم صورتي وهيئتي وصورة والدي دون الرجوع لي، وإنه لا بد من وجود قانون يحكم استخدام الـAI (الذكاء الاصطناعي)، كما أنني أوضحت أن القدرة على تخيل الأهل ورؤيتهم بعد الوفاة ليس في قدرة واستطاعة كل الناس».

ظهور «شركات إحياء الموتى»

كان أول ظهور لشركات إحياء الموتى رقمياً في الصين من خلال عدة شركات مثل super brain وhereafter، وSilicon Intelligence، وقد بدأ ظهور تلك الشركات منذ عام 2016، وكانت فكرتها الأساسية مستمدة من الحنين لشخص متوفى فى العائلة. واعتمدت تلك الشركات على مقاطع فيديو وصوت وبيانات شخصية سابقة، بحيث يمكن للمُستخدمين التحاور مع نسخة رقمية تحاكي ملامح الشخص المتوفى وصوته وبعضاً من أسلوبه في الكلام، ويعكس هذا التوجه رغبة متزايدة في المجتمعات الآسيوية، ولا سيما في الصين، الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعى للتخفيف من حدّة الفقد وتجاوز التابوهات المرتبطة بالحديث عن الموت.

ولم يقتصر ظهور الشركات التي تعيد إحياء الموتى رقمياً على الصين فقط، وظهرت في الغرب شركات أخرى تقدّم خدمات مشابهة في جوهرها وإن اختلفت في آليات التنفيذ؛ فشركة «Hereafter AI» تمثّل نموذجاً لـ«الاستعداد لما بعد الموت»، حيث يبنى الشخص بنفسه وهو حي مادة رقمية تُحوَّل لاحقاً إلى «بوت تفاعلى» أي برنامج آلى على الحاسوب يمكن لأسرته محاورته بعد وفاته، بينما تركِّز «Story File» على فيديوهات تفاعلية تسمح بمحاكاة حوار «شبه حى» مع المتوفى، وتقدّم شركات مثل (You, Only Virtual (YOV،
وEternos نماذج دردشة تعتمد على البصمة الرقمية للشخص.

تلك الأمثلة «الصينية والغربية» تشير إلى أن فكرة «الإحياء الرقمي» لم تعد مجرّد خيال علمي، بل تحوّلت إلى صناعة قائمة بذاتها تُعرف أحياناً بـ«تكنولوجيا الحزن» (GriefTech) أو «صناعة الحياة الرقمية» بعد الموت (Digital Afterlife Industry).

وفي عام 2019 تم إطلاق منظمة اسمها «My Grief Angels»، والتي تعنى بالعربية «ملائكة الحزن»، في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي منظمة غير ربحية، وتحت مظلة تلك الجمعية تم إطلاق مركز باسم «تكنولوجيا الحزن» وهو مركز للأبحاث والتعاون التجاري والصناعي والتوعية التعليمية بهدف دراسة كيفية تأثير التقنيات الرقمية الجديدة، ومنها تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتقنيات تخليد الذكرى، على تجربة الحزن وعملية التعايش مع الفقد على مستوى العالم، ويتميّز هذا المركز عن غيره من مراكز الحزن التقليدية بتركيزه الحصري على البعد التكنولوجى للحزن.

تقنية «لا إنسانية ولا دينية»

وبالعودة إلى مصر، يقول إلبرت جميل، خريج كلية هندسة جامعة حلوان، ومدير تسويق، الذى صنع أكثر من فيديو تم تصنيفها باعتبارها تستخدم تقنيات إعادة إحياء الموتى رقمياً، ومن بينها فيديو «رسالة من العالم الآخر»، الذي أثار جدلاً واسعاً: «أنا أرفض تماماً فكرة إحياء الموتى رقمياً، والهدف من هذا الفيديو كان صُنع ذكرى لطيفة وجميلة عن فنانين أثروا الحياة الفنية فى مصر فقط»، نافياً أى نية لديه في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى في إحياء الموتى رقمياً.

ووصف «إلبرت» تقنية إحياء الموتى رقمياً بأنها تقنية «لا إنسانية ولا دينية»، لأن الموت هو أحد القرارات الربانية التي لا يملك البشر إلا الاستجابة إليها والتسليم بها في كل الأديان السماوية وليس الدين الإسلامي فقط، قائلاً: «الفيديو الذى صنعته لا يندرج تحت بند الإحياء الرقمي، ففكرته إنسانية وتقوم على صنع ذكرى حلوة لفنانين نحبهم غادروا عالمنا وهم يودعون أبناءهم قبل الوفاة، وهنا أنا لم أُحيى الموتى، بل فقط تخيلتهم فى الجنة، وأن أبناءهم يشاهدونهم وهم يتحركون بسعادة هناك، على أمل أن يكون ذلك تعزية لأبناء هؤلاء الفنانين، وحتى لمحبيهم من الجمهور العادى، وكأن هؤلاء الفنانين الذين توفوا يقولون اطمئنوا نحن بخير ونشعر بحبكم لنا، فأوقفوا الحزن واسعدوا بحياتكم».

لكن ردود الفعل حول فيديو «رسالة من العالم الآخر» بحسب «إلبرت»، انقسمت ما بين داعمة لفكرته ومعجبة بها، ورافضة بشكل تام لها بل وتهاجمها، وهو ما عبّر عنه قائلاً: «كان الأمر غريباً، فالبريد الإلكترونى وحساباتى على وسائل التواصل الاجتماعى امتلأت برسائل من أشخاص عادية يرغبون في صور وفيديوهات لهم مع أحبائهم من الأقارب والأصدقاء الذين توفوا، بهدف الاحتفاظ بذكرى حلوة مع هؤلاء الأقارب الذين توفوا، بينما بالطبع كانت هناك رسائل أخرى تهاجمنى».

تفهم «إلبرت» الهجوم عليه ولم يشعر بالألم منه، فبحسب قوله فهو يدرك أن هناك أشخاصاً لن تتحمل نفسياً رؤية شخص قريب منها توفى وهو يتحرك بتقنية الذكاء الاصطناعى: «الموضوع شائك، وتختلف الآراء حوله بالطبع سواء كانت آراء إيجابية أو سلبية، والخلاصة التى توصلت لها أن القدرة على تحمل التجربة، وتقبلها نفسياً تختلف من شخص لآخر، فهناك من يعتبر التجربة بالنسبة له مليئة بالأذى النفسي، وهناك من تمثل لهم التجربة شيئاً عادياً».

التكنولوجيا لها رأى آخر

وبحسب دراسة نُشرت عام 2024 بعنوان «الإحياء الرقمي: تحدى الحدود بين الحياة والموت باستخدام الذكاء الاصطناعي» تم نشرها فى مجلة دولية، تصدر من سويسرا، اسمها «Philosophies»، فإن تعريف تقنية إحياء الموتى رقمياً هو: استخدام البيانات الرقمية من نصوص، وصور، وفيديو، ورسائل صوتية، ومنشورات تواصل اجتماعى، وغيرها، لشخص ما أثناء حياته، ثم بعد وفاته إنشاء نموذج ذكاء صناعي أو «شبيه رقمي» يُحاكى شخصيته أو صوته أو طريقة كلامه أو تفاعله مع الآخرين، وكان هدف الدراسة هو استكشاف الأطر الأخلاقية والفلسفية لهذه الظاهرة.

وبحسب المهندس محمد الحارثى، استشارى التحول الرقمي، وخبير أمن معلومات، فإن «تقنية إحياء الموتى رقمياً هى فكرة قد يُقبل عليها المجتمع الغربى المنفتح أو الصين متعددة الثقافات»، ولكن فى المقابل فالمجتمع العربى والمصرى قد يواجه صعوبة كبيرة فى تقبل الفكرة: «لا أعتقد أن تلك التقنية قد تلقى رواجاً فى مصر، وقد يحاول البعض فقط تجربتها من باب الفضول لا أكثر».

وأوضح «الحارثى» أن التقنية الموجودة والمتاحة حالياً فى مصر والدول العربية هى المعروفة باسم «النسخة الرقمية» للمشاهير من الفنانين ولاعبى كرة القدم والمغنِّين، وهى عبارة عن تعاقد تُوقع عليه الشخصية المشهورة فى أى مجال من المجالات مع شركة بأخذ نسخة رقمية لها، وتكون الشركة هى المسئولة عن إتاحة تلك النسخة لشركات الدعاية والإعلان، حيث يعاد استخدامها فى إنتاج المحتوى والإعلانات، وبالطبع يكون بموافقة موثقة من الشخصية المشهورة.

وعلى عكس الآراء التى تعتبر مثل هذه الابتكارات والطفرات التكنولوجية نوعاً من التطور، اعتبر «الحارثى» أن تقنية «إحياء الموتى رقمياً» من الابتكارات السلبية وبمثابة «هوس تكنولوجى»، لأن البعض قد يُقبل عليها باعتبارها ملاذاً افتراضياً يعوضهم عن فقدان أحبتهم، قائلاً: «ليس الهدف من وجود التكنولوجيا فى حياة الإنسان أن تُعيد الموتى للحياة، بل أن تسهل حياته وتطورها وليس أن تعيده للخلف».

واستطرد: «بالرغم من ذلك، فإن تلك التطبيقات الخاصة بإحياء الموتى رقمياً لن تختفى بسبب آرائنا أو رفضنا لها، بل على العكس قد تنتشر وتتطور، لأن الهوس التكنولوجى صار كبيراً، ونظام الذكاء الاصطناعى صار متاحاً للجميع سواء شركات أو أفراد، وأى تطبيق يُحقق أرباحاً بالطبع سيُقبل الجميع عليه أملاً فى تحقيق مكاسب، سواء كان مقبولاً فلسفياً واجتماعياً أم لا».

أخلاقيات للذكاء الاصطناعي

خوف «الحارثي» من تقنية «إحياء الموتى رقمياً» كان كبيراً، والسبب تأثيراتها النفسية السلبية على مستخدمى التكنولوجيا نظراً لأنها تمثل ارتباطاً نفسياً بشخصية افتراضية غير موجودة، مؤكداً ضرورة وجود إطار لأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعى عموماً، بما يحكم استخدام هذه التقنية عربياً وعالمياً: «للأسف حتى الآن لم يتم التفكير فى منهجية أو ميثاق أخلاقى لأطر استخدام الذكاء الاصطناعى كتقنية تكنولوجية حديثة، فقط هناك محادثات تتم على هامش المؤتمرات والندوات، ولكن تحركاً عاماً وإطاراً تنظيمياً تجتمع الدول عليه للأسف لم يحدث حتى الآن».

تأسيس إطار عام تنظيمى استرشادى لأخلاقيات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى بحسب «الحارثى»، يجب أن يكون حاكماً لكل الدول، وليس فقط الغربية أو العربية، بل الجميع بلا استثناء، لأنه: «للأسف كل شخص الآن يستخدم التكنولوجيا بالطريقة التى تناسبه سواء كانت أخلاقية أم لا»، لافتاً فى هذا السياق إلى أن «فكرة وجود شخص افتراضى يعيش معى بينما هو غادر الدنيا أمر غريب وبعيد عن الصحة النفسية بل وغير أخلاقى»، حسب قوله.

دفع البشرية إلى الهاوية

من ناحيتها اعتبرت الدكتورة هالة يسرى، أستاذ علم الاجتماع، وعضو لجنة المرأة الريفية بالمجلس القومى للمرأة، أن تقنية «إحياء الموتى رقمياً ستدفع الإنسان فى العصر الحديث إلى الهاوية».

ورفضت دكتورة «هالة» تبريرات انتشار تلك التقنية باستفادة البعض منها للكسب المادى وتحقيق أرباح، كما هو الحال مع أى تجارة، قائلة: «إنهم يقولون دوماً فى مجتمعنا إن التجارة شطارة، ولكن للأسف التجارة بهذه التقنية ليست شطارة، فالتجارة دوماً تكون فيما يفيد الإنسان وليس ما يضره، وإلا كنا اعتبرنا أن التجارة فى المخدرات مفيدة لأن المرء يتكسب منها مادياً، فهل سمعنا يوماً أنه من المقبول قانونياً ترك تاجر المخدرات بدون محاسبة، بحجة أنه يُحقق مكاسب تساعده على العيش؟ الإجابة لا، فهذه التقنية تشبه المخدرات تماماً».

وبررت «هالة» رفضها القاطع لتلك التقنية بالتأثيرات النفسية والاجتماعية السلبية والمخيفة التى ستتركها على مستخدميها، منها عدم تقبل الفرد لوفاة أحبائه بل وعدم تجاوز حالات الفقد، وهو ما يدمر المجتمع اقتصادياً من حيث خفض معدلات الإنتاج، وإنسانياً من حيث تفسخ العلاقات الإنسانية، فضلاً عن تدمير صحة الإنسان الجسدية، وعدم وجود تأثيرات إيجابية لها، وقالت: «أولاً يجب أن نكون مؤمنين بوجود إله لهذا الكون، واختيارات هذا الإله لنا هى الصائبة دوماً، والموت هو العملية الوحيدة التى لا دخل فيها للإنسان وتتم بإرادة الله، فهل الإنسان يسعى لكسر هذه الحقيقة والاعتراض على الإرادة الإلهية، هنا الإنسان يكفر بإرادة الله ويعترض عليها».

والحلول التى طرحتها أستاذ علم الاجتماع، وعضو لجنة المرأة الريفية بالمجلس القومى للمرأة، لمواجهة هذه الظاهرة قبل الانتشار هى أن يكون المواطن انتقائياً فى تعاملاته مع المستحدثات التكنولوجية الجديدة، قائلة: «التكنولوجيا الحديثة هدفها الأساسى هو الارتقاء بفكر المواطنين، وخدمة البشر، لذا علينا أن نتخير منها ما يفيدنا على المستوى الشخصى، وما يفيد مجتمعاتنا وبلدنا، فإذا ساعدتنى التكنولوجيا فى تحسين المستوى الاقتصادى والفكرى والمهارى الخاص بى، فهذه هى التكنولوجيا التى يجب أن أكون حريصاً عليها وعلى إدماجها فى حياتى الشخصية».

رفع معدلات المرض النفسى

وبجانب ما سبق، فإن تقنية «إحياء الموتى» افتراضياً «قد تسهم فى رفع مُعدلات انتشار المرض النفسى فى العالم وليس فى مصر فقط» بحسب الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسى، الذى أشار إلى أن الشخصيات التى لديها استعداد للمرض النفسى أو اضطرابات بلا شك ستدخل فى نفق المرض النفسى ولن تكون قادرة على الخروج منه، إذا ما وقعت فى أسر هذه التقنية.

وعن طبيعة تأثيرات تلك التقنية، قال «فرويز»: «يختلف تأثيرها على حسب طبيعة الشخصية، فمثلاً لو الشخصية التى تتعامل مع هذه التقنية ناضجة، فإن التأثير سيكون عادياً، لأن الإنسان هنا يدرك حقيقة التقنية، وأنها مجرد واقع افتراضى مصنوع بالذكاء الاصطناعى وليست حقيقية، والهدف منها هو الشعور بالسعادة والرضا».

لكن الإشكالية الحقيقية بحسب «فرويز» تظهر عندما تتعامل ثلاث فئات مع تقنية «إحياء الموتى رقمياً» وهم: الشخصيات الأكثر استعداداً للإصابة بالمرض النفسى، والمصابة بالاضطرابات النفسية، والتى لديها جين وراثى خاص بالإصابة بالأمراض النفسية، وقال: «للأسف هذه الشخصيات بمجرد تعاملها مع هذه التقنية، بعد فترة قليلة من الوقت ستصاب بالمرض النفسى الحاد، لأن عقل هذه الشخصيات سيدفعها إلى تخيل أن ما يحدث فى الواقع الافتراضى حقيقى، وأنها لا تتعامل مع مجرد تقنية تكنولوجية بل ستصدق أن الشخصية التى توفيت قد عادت إلى الحياة، بسبب كم المشاعر التى تثيرها رؤية هذه الشخصية التى توفيت».


أستاذ إعلام: تُهدد المفهوم التقليدى للموت بوصفه نهاية مُطلقة.. وآثارها إعلامياً ستكون ضخمة ودقيقة

وشرح «فرويز» خطوات الإصابة بالمرض النفسى بسبب «إحياء الموتى رقمياً»، موضحاً أن بعض الشخصيات التى تتعامل مع هذه التقنية ستُصاب بالضغط النفسى والعصبى بسبب عدم القدرة على الموازنة بين مشاعر الاحتياج والفقد وبين الواقع الافتراضى الذى يتطلب عقلانية، وهنا ستلجأ الشخصية إلى إنكار حالة الوفاة من داخلها والتى تكون قد احتاجت وقتاً طويلاً أساساً لتجاوزها، وتتعايش مع الشخصية الافتراضية التى تم إحياؤها رقمياً بصورة مرضية.

ويترتب على ما سبق، وفقاً لفرويز، تعاملات مليئة بالحرج أو المشكلات مع آخرين: «مثل أن تخبر الشخصية التى تستخدم هذه التقنيات الأقارب أو الأصدقاء بأنها تواصلت مع الشخص الذى توفى، بينما الناس لن يفهموا الأمر وسيعتقدوا أنها أصابها الجنون، وللأسف هذه التقنية قد تدفع بعض الشخصيات إلى العيش فى الوهم، وبالتالى تخلق المرض النفسى مثل الضلالات أو الإصابة بالهلاوس السمعية والبصرية».

ودعا «فرويز» إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعى بحذر، لأن هذا الذكاء يخلق واقعاً افتراضياً يكون خطراً أحياناً، قائلاً: «إذا كنا نتحدث عن فيديو صغير لشخص توفى وتم صنعه بالذكاء الاصطناعى ولا تتجاوز مدته دقيقة أو دقيقتين هذا ليس خطراً، لأن الهدف منه تذكر من توفى والدعاء له، ولكن الخطر الحقيقى يبدأ من التعايش مع شخص متوفى والحديث معه يومياً، خصوصاً لو لم يستطع الإنسان تجاوز فقد هذا الشخص بل ويعانى بشدة من غيابه أو لديه اكتئاب وحرمان عاطفى بسبب وفاته، هنا يدخل الإنسان فى دائرة المرض بإرادته الشخصية، مثل الاكتئاب من الدرجة الأولى، والاضطرابات الذهانية».

وحذر «فرويز» من أن هناك ارتفاعاً فى نسب الإصابة بالاضطرابات والأمراض النفسية أساساً على مستوى العالم كله، حسبما انتهى مؤتمر الطب النفسى العالمى الذى تم عقده مؤخراً فى سويسرا، والذى أشار إلى أن التكنولوجيا صارت «ضلع» أساسياً فى الإصابة بالأمراض النفسية، وقال: «لا بد من وجود ضوابط وقواعد لاستخدام مثل هذه التقنيات، منها ضرورة استخدامها لفترات محددة قصيرة، لأن استخدامها لفترة طويلة من الوقت بمثابة دعوة لنشر المرض النفسى بلا حساب».

آثار مرعبة إعلامياً وتجارياً

ولم تقتصر المقالات والدراسات الأكاديمية التى تتناول «إحياء الموتى رقمياً» على محاولة فهم أسبابها أو رصد تأثيراتها على شخصيات بعينها، بل أيضاً معرفة نتائجها على البشرية ككل، كما جاء فى مقال فلسفى بعنوان «الاستبدال الرقمى للموتى: هل هو مصدر قلق مشروع؟»، نُشر عام 2025 فى مجلة «الفلسفة والتكنولوجيا» الدولية، ووصف هذه التقنية بأنها تمثل تهديداً أخلاقياً للإنسانية، حيث تقلل الاحترام للموتى، كما تسهم فى تغيير معنى الحب وشكل العلاقات الإنسانية، والأهم التأثير على عملية الحزن الناتجة عن الوفاة، فهذه التقنية بحسب المقال «تُضعف القدرة على تقبل حقيقة الموت، بل وتوفر مجالاً لاستغلال الموتى تجارياً». وهذا ما أشارت إليه أيضاً الدكتورة منى الحديدى، الأستاذ بقسم الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام، وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، التى رأت فى تقنية إحياء الموتى رقمياً «زعزعة للمفهوم التقليدى للموت بوصفه نهاية مطلقة، وآثارها إعلامياً سوف تكون ضخمة ودقيقة فى نفس التوقيت».

استشارى تحول رقمى: التقنية الجديدة سلبية.. وربما يحاول البعض تجربتها فى مصر من باب الفضول لكنها لن تلقى رواجاً ..هدف التكنولوجيا تسهيل حياة الإنسان وليس إعادته للماضى.. ولا بد من إطار لأخلاقيات استخدام الـ«AI» ً

وقالت «الحديدى» لـ«الوطن»: «التقنية الجديدة تُهدد بإعادة تعريف الموت، وهذا سيغير المفاهيم الثقافية والدينية حوله كحقيقة أبدية خصوصاً فى مجال الإعلام، وهنا سوف تظهر العزلة الاجتماعية كتأثير أولى لتلك التقنية، فبعض الأشخاص قد يطورون تعلقاً مُفرطاً بهذه النسخ، ثم تتحول إلى إدمان عاطفى يؤثر على علاقاتهم الواقعية».

«التلاعب بالذاكرة الجمعية هو أكبر آثار تقنية إحياء الموتى رقمياً»، بحسب أستاذ الإعلام، «فتلك التقنية ستصبح قادرة على تعديل أو إعادة تشكيل شخصية المتوفى رقمياً»، وبالتالى هذا قد يغير الصورة العامة له فى المجتمع بعد وفاته: «لو افترضنا وجود نسخة رقمية لشخص مشهور فى مجال العلم، الفن، الثقافة، الرياضة بعد وفاته، فهذه النسخة الجديدة قد يتم تأويل كلماتها أو صنع ردود فعل لها بما يختلف أساساً عن الشخصية الأساسية لو كانت حية، وهذا يُعد تزويراً غير مقصود، وتأثيره خطير على حياة المجتمعات، لأن هنا من يدير المجتمعات ويؤثر فيها ويصنع الأفكار ليس تلك الشخصية المشهورة التى ذهبت عند خالقها، بل فى حقيقة الأمر الذكاء الاصطناعى وهو أمر مرعب».

ظهور مفاهيم جديدة فى المجتمعات الإنسانية قد يكون تطوراً طبيعياً أيضاً لانتشار تقنية إحياء الموتى رقمياً، حسب «الحديدى»، ومنها مفهوم «التمييز الرقمى»، ويعنى وجود فجوة بين من يُخلد رقمياً ومن يُنسى، فليس كل شخص قد تتوافر لديه بيانات كافية ليُعاد رقمياً، وهذا تأثيره ظهور تحول الإعلام إلى الشكل التنافسى، لا يهدف إلى تمثيل جميع أفراد المجتمع، بل من يملك القدرة على التعامل مع تلك التقنية، سواء تكنولوجياً أو من ناحية القدرة المادية: «الأقسى من وجهة نظرى هو أن تلك التقنية قد تُسهم فى الاستعانة بشخصيات إعلامية كانت بارزة ولها كاريزما فى مجال الإعلام وكان لها جمهور كبير، ولكنها توفيت، فيتم الاستغناء عن الإعلاميين من الشباب الجدد، وهذا سوف يُحد من ضخ دماء جديدة فى الإعلام».

واعتبرت «الحديدى» أن إحياء الموتى رقمياً ظاهرة معقّدة، فهى قد تسهم فى تخفيف الحزن وتخليد الذكرى، لكنها تتطلب وعياً مجتمعياً وتشريعات قانونية تضمن التوازن بين الابتكار واحترام الإنسان حياً وميتاً، قائلة: «أنصح أن يكون التعامل مع هذه الظاهرة بحذر، مع مراعاة الأبعاد الإنسانية والثقافية والدينية التى تحكم علاقتنا بالموت».

القانون لا يجرّم «الإحياء الرقمى»

القانون كان له رأى مختلف، حسب الدكتور حسام لطفى، أستاذ القانون المدنى بجامعة بنى سويف، فالقانون يُبيح ظهور شخصية افتراضية للإنسان بعد وفاته إذا انتفى قصد الإساءة أو الضّرر، ولا يملك أى شخص الاعتراض، ويقول: «من ناحية قانونية يُسمى إحياء الموتى رقمياً باسم «القرين المعلوماتى»، ومن الناحية القانونية لا توجد مشكلة إذا وجدت أسرة السكينة والهدوء فى استحضار أقاربهم المتوفين بهذه التقنية، فهذه الشخصية الافتراضية ليست حقيقية، بل مجرد خيال، لذا لا توجد موانع قانونية لها».

«والورثة هم الذين لهم كلمة الفصل فى ظهور شخصية افتراضية للمتوفى»، حسب دكتور حسام، وهم الجهة القانونية التى يتعامل معها القانون، ولا يجوز الاعتراض على فعلهم، فحسب القانون فإن «سيرة الإنسان هى ملك للورثة، يستطيعون الذود عنها ويمنعون أى تعديل عليها بالقول أو الفعل». والخوف من استخدام تقنية إحياء الموتى لصنع تعاملات غير قانونية، مثل تغيير صيغة المواريث، أو توزيع التركة فى الأسر، حسب أستاذ القانون، فهذا مع الوفاة غير ممكن، فالتعاملات القانونية فى حالة الوفاة لها شكل واضح ومحدّد، فالشخصية القانونية تنتهى بالوفاة، حسب النص القانونى الذى يقول إن «انفصال المولود عن جسم أمه بدء الحياة، وتوقف المخ عن أداء وظيفته إيذان بانتهاء الشخصية القانونية فى الحياة». وأوضح الدكتور حسام قوله: «لذا إذا تم بعد الوفاة استحضار شخصية المتوفى بواسطة الذكاء الاصطناعى ومحاولة استخدامه فى أفعال قانونية، مثل إعادة توزيع الميراث أو تغييرها، فهذا غير مقبول». والمشكلات القانونية التى قد تثيرها تقنية إحياء الموتى رقمياً، حسب دكتور حسام، تتجسّد فى استحضار شخصية شهيرة توفيت، ونشر فيديوهات أو تعليقات لها، وهى تسب شخصية حية مشهورة فى مجال من المجالات فى وقتنا الحالى، مثال استحضار شخصية الملك فاروق رقمياً، وهو يسب شخصية مشهورة حية، سواء كان فناناً، أو وزيراً، فهذه تُعد جريمة قانونية. وشرح دكتور «حسام»: «هنا الورثة هم المسئولون عن تلك الجريمة، وستتم محاكمتهم بتهمة استحضار شخصية من شخصيات الماضى واستخدامها فى الإساءة إلى شخص موجود فى الحاضر، مما يؤثر بشكل سلبى على الأمن والسلم الوطنى، فهذه جريمة من جرائم القانون العام».

الاستغلال التجارى للشخصيات المتوفاة بواسطة تقنية إحياء الموتى رقمياً مباح قانونياً حسب دكتور حسام، «مثل مجموعة من الأشقاء يريدون استحضار شخصية والدهم واستخدامها فى صنع برنامج تليفزيونى، أو الإعلانات والشروط القانونية للحصول على موافقة الورثة وتوضيح أنها شخصية متوفاة».

وأقر أستاذ القانون بأحقية الإنسان قانونياً فى رفض إحيائه رقمياً بعد الوفاة، ولكن بشرط كتابة وصية قانونية وتسجيلها قانونياً وتوزيعها على الورثة المحتمَلين: «إذا لم يفعل الإنسان ذلك، فالقانون يعتبر أن الإنسان بعد الوفاة من حيث السيرة والسمعة ملك لأسرته وورثته».

ووصف دكتور «حسام» مواد القانون حتى الآن بأنها غير منظمة وغير واضحة فى ما يتعلق بتقنية إحياء الموتى رقمياً، فالقانون لم يتعرّض لهذه النوعية من القضايا حتى يتم إصدار مواد قانونية جديدة تناسب تلك التقنيات التكنولوجية الحديثة، ويتم التعامل مع هذه القضايا التكنولوجية المستحدَثة، وفق نصوص القوانين الحالية التى تُستخدم فى الجرائم العادية من قانون العقوبات وحقوق الملكية الفكرية.

حرام بشروط

من الناحية الدينية، لم ينفِ الدكتور طارق أبوهشيمة، مدير المؤشر العالمى للفتوى، أن تقنيات التكنولوجيا الحديثة المتعلقة بالذكاء الاصطناعى دوماً ما تفتح باباً للجدل، قائلاً: «التعامل مع الذكاء الاصطناعى أو أى شكل من أشكاله مباح فى الإسلام، طالما لم يكن هناك نهى صريح عنها بنص من الكتاب والسنة، وعلة التحريم الضرر الذى يقع على الإنسان».

وفى الدين الإسلامى التعامل مع الذكاء الاصطناعى التوليدى شىء جائز، حسب «أبوهشيمة»، والمقصود بكلمة «التوليدى» الذى يُستخدم فى توليد صور وفيديوهات، ولكن هذا الاستخدام يخضع لشروط، فأى حكم شرعى له ضوابط، أهمها عدم وقوع ضرر، بمعنى ضرورة استخدام هذه الفيديوهات بشكل أخلاقى وآمن للجميع، وبشكل لا يسىء إلى الموتى، ولا يسىء إلى الأحياء أو يوقع ضرراً على مصلحة الآخرين.

وشرح «أبوهشيمة» أن أول ضرر يدفع بحرمانية استخدام هذه التقنية هو الضرر الذى يقع على المتوفى نفسه، قائلاً: «لو تم عرض فيديوهات للمتوفى، ولكن بصورة مسيئة لا تليق به، أو تُسبّب سخرية منه، أو تثير مشاعر الألم والحزن عند أسرته، خصوصاً لو لم تكن لديهم رغبة فى ظهور تلك الفيديوهات، أو ترتب على استخدام هذه الفيديوهات تدليس فى بعض الحقوق»، فهذا من الضرر. وضرب الدكتور «أبوهشيمة» مثالاً ثانياً بشخص توفى حديثاً ولم يكن يعرف بخبر وفاته جميع أفراد أسرته، واستخدم البعض تقنية إحياء الموتى فى وضع وصية على لسان المتوفى لتوزيع الميراث بشكل يخالف وصيته الحقيقية، موضحاً: «هذا فعل حرام، وهذه التقنية وما ولّدته من فيديوهات تسبّبت فى ضياع حقوق العباد، والتدليس على حقوقهم، فهنا الوصف الشرعى لتلك التقنية أن الفيديو فى حد ذاته ليس حراماً، ولكن استغلاله كان حراماً، وبالتالى حرام استخدامه».

ثالث حالة تدفع بحرمانية استخدام تقنية إحياء الموتى افتراضياً هى وقوع ضرر، ولكن على الأحياء من أهل المتوفى، وشرح «أبوهشيمة» أن استخدام هذه الفيديوهات لو كان هدفه هو التذكّر الإيجابى للأموات من حيث الدعاء لهم، مع تقبّل قضاء الله، وإدراك أن الموت هو نهاية كل حى على الأرض، وأن الله كتبه على كل المخلوقات مهما كانت الديانة، فهنا استخدامه جائز لا غبار عليه، ولكن حسب الدكتور «أبوهشيمة» فإنها تصبح حراماً شرعاً فى حالة: «لو تسبّبت فى زعزعة أسس الإيمان عند الإنسان، بمعنى تغيير نظرته عن الموت، فلا تصبح له مهابة أو جلالة فى نفسه، فيفتن الإنسان تدريجياً، حتى يظن أن الشخص الذى يتحدّث إليه بتقنية إحياء الموتى افتراضياً لم يتوفًّ بل هو حى، وأن الموت كذبة تغلبت عليها التكنولوجيا، فهنا تلك التقنية غيّرت فى ثوابت العقيدة لدى الإنسان وتسبّبت فى أضرار عقائدية، مثل زعزعة العقيدة أو الإيمان بقضاء الله، وهنا تصبح حراماً، وكذلك لو تسبّبت تلك التقنية فى أن الإنسان صار مرتبطاً ومهووساً بها لدرجة أنه لم يعد قادراً على التفاعل الاجتماعى مع من حوله أو حتى التركيز فى العمل والعبادة، وصار فى حالة حزن دائمة، هنا الحكم الشرعى أيضاً لاستخدامها: حرام».

1

2


مواضيع متعلقة