أستاذ علم اجتماع: سياسات الحكومة في ترشيد الاستهلاك محاولة لبناء «وعي رشيد»  

كتب: كريم روماني

أستاذ علم اجتماع: سياسات الحكومة في ترشيد الاستهلاك محاولة لبناء «وعي رشيد»  

أستاذ علم اجتماع: سياسات الحكومة في ترشيد الاستهلاك محاولة لبناء «وعي رشيد»  

أكدت الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن قرارات الحكومة الأخيرة بشأن ترشيد الاستهلاك والإنفاق، والتي على رأسها غلق المحلات اعتباراً من الساعة التاسعة مساءً وبدء تطبيق قرار العمل من المنزل «أون لاين» يوم الأحد من كل أسبوع اعتباراً من شهر أبريل المُقبل، جاءت بشكل متدرج ومدروس.

وأضافت في تصريحات خاصة لـ «الوطن»، أنه في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وما فرضته من ضغوط على الأسواق المحلية، اتخذت الحكومة المصرية مسارًا واضحًا نحو ترشيد الاستهلاك كأحد أهم أدوات إدارة الأزمة، مؤكدة أنه لا يمكن قراءة هذه الإجراءات فقط من زاوية اقتصادية بحتة، بل تحمل في طياتها دلالات اجتماعية عميقة تعكس تحولات في علاقة الدولة بالمجتمع، وأنماط السلوك الاستهلاكي، وأولويات المواطنين.

سياسات ترشيد الاستهلاك

وأضافت أن سياسات ترشيد الاستهلاك تعكس توجهًا نحو إعادة صياغة الثقافة الاستهلاكية داخل المجتمع المصري، التي تأثرت لعقود بنمط يميل إلى الإفراط أحيانًا، فالدعوة إلى الاقتصاد في استخدام الطاقة، وتقليل الهدر، وضبط الإنفاق، ليست مجرد قرارات إدارية، بل هي محاولة لبناء «وعي رشيد» يقوم على المسؤولية الفردية والجماعية: «هنا تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة هندسة السلوك الاجتماعي، بما يعزز قيم الاعتدال والاستدامة».

وأكدت أن اختيار الحكومة لنهج التدرج في تطبيق إجراءات الترشيد يحمل دلالة اجتماعية مهمة، مفادها بإدراك طبيعة المجتمع المصري، وحساسيته تجاه القرارات المفاجئة، فالتدرج لا يخفف فقط من وطأة الإجراءات على المواطنين، بل يمنحهم مساحة للتكيف النفسي والاقتصادي، ويحد من احتمالات الرفض أو التوتر الاجتماعي، كما يعكس هذا النهج نوعًا من «التفاوض غير المباشر» بين الدولة والمجتمع، حيث يتم تمرير السياسات تدريجيًا بما يضمن الاستقرار.

مراعاة الفروق الطبقية داخل المجتمع

وشددت على أنه لا يمكن لسياسات الترشيد أن تحقق أهدافها دون مراعاة الفروق الطبقية داخل المجتمع، فالإجراءات التي لا تميز بين القادرين وغير القادرين قد تؤدي إلى تعميق الفجوات الاجتماعية: «من هنا فإن ربط الترشيد بحزم حماية اجتماعية مثل دعم الفئات الأكثر احتياجًا أو تحسين الأجور يُمثل بعدًا اجتماعيًا حاسمًا، يعزز الشعور بالعدالة ويزيد من تقبل المواطنين للإجراءات».

ونوهت بأن هذه السياسات تكشف عن تحول في دور الدولة من مجرد جهة تفرض القرارات إلى فاعل توجيهي يسعى إلى التأثير في سلوك المواطنين، فحملات التوعية، والخطاب الإعلامي المصاحب، والرسائل التي تربط بين الترشيد والمصلحة الوطنية، كلها أدوات «قوة ناعمة» تهدف إلى خلق قناعة داخلية لدى الأفراد، بدلًا من الاعتماد فقط على الإلزام القانوني.

وأكدت أن إجراءات الترشيد تُظهر أيضًا كيف تتفاعل فئات المجتمع المختلفة مع الأزمات، فبينما قد تتكيف بعض الشرائح بسهولة، تواجه أخرى صعوبات حقيقية، ما يسلط الضوء على هشاشة بعض البنى الاجتماعية، وفي هذا السياق، تصبح السياسات العامة اختبارًا لمدى تماسك المجتمع، وقدرته على التضامن وتقاسم الأعباء.

ترشيد الاستهلاك باعتباره مجرد استجابة اضطرارية

وشددت على أنه لا يمكن النظر إلى ترشيد الاستهلاك باعتباره مجرد استجابة اضطرارية للأزمة، بل كفرصة لإعادة بناء نموذج تنموي أكثر استدامة، مؤكدة أن المجتمعات التي تنجح في تحويل الضغوط إلى محفزات للتغيير، هي الأقدر على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر، موضحة أن التحليل الاجتماعى لهذه الإجراءات تؤكد أن إدارة الأزمات لم تعد شأنًا اقتصاديًا فقط، بل هي عملية مركبة تتداخل فيها الأبعاد النفسية والثقافية والاجتماعية، وبينما تمضي الحكومة المصرية في هذا المسار المتدرج، يبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع، وقدرته على التكيف، واستعداده للمشاركة في تحمل مسؤولية الحاضر وصناعة المستقبل: «دائما ما ينجح الوعي الشعبي في تخطي الأزمات والتكيف معها».

وأشارت إلى أنه في أوقات الأزمات، لا يكون التحدي اقتصاديًا أو سياسيًا فقط، بل يمتد أيضًا إلى كيفية إدارة المعلومات وتوجيه الرأي العام، وفي هذا السياق تكتسب توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة بضرورة توضيح الحقائق والالتزام بالشفافية أهمية خاصة، إذ تحمل هذه التوجيهات دلالات اجتماعية عميقة تتجاوز حدود الإدارة الحكومية لتصل إلى بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع.

ركيزة أساسية في قدرة المجتمعات على تجاوز التحديات

وأكدت أن الشفافية في إدارة الأزمات لم تعد مجرد خيار إداري، بل أصبحت أحد أهم متطلبات الحكم الرشيد في العالم المعاصر، وعندما تحرص الدولة على تقديم المعلومات للرأي العام بوضوح وفي التوقيت المناسب، فإنها تسهم في بناء حالة من الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهذه الثقة تمثل ركيزة أساسية في قدرة المجتمعات على تجاوز التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

ومن منظور اجتماعي، شددت على أن توضيح الحقائق يسهم في الحد من انتشار الشائعات، التي غالبًا ما تجد طريقها للانتشار في ظل غياب المعلومات الدقيقة: «مع تسارع تدفق الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الفراغ المعلوماتي بيئة خصبة لتداول روايات غير دقيقة قد تؤدي إلى إثارة القلق أو التشكيك في قدرة المؤسسات على إدارة الأزمات، لذلك فإن إعلان الحقائق بوضوح يمثل خط الدفاع الأول لحماية الوعي العام من التضليل».

ونوهت بأن الشفافية تسهم في إشراك المجتمع في فهم طبيعة التحديات التي تواجه الدولة. فعندما يدرك المواطن أبعاد الأزمات الاقتصادية أو تداعيات المتغيرات العالمية، يصبح أكثر قدرة على استيعاب القرارات الحكومية التي قد تتطلب إجراءات إصلاحية أو سياسات اقتصادية صعبة..