ضمور في عضلات أمريكا

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

كشفت الحرب الأمريكية على إيران نقاط ضعف عديدة في البنيان العسكري للقوة العظمى. دائما ما يضرب المحللون المثل بحرب الكلب والبرغوث أو بحرب الأرمادا الإسبانية الإنجليزية، عندما تتجمع كائنات صغيرة لهزيمة كائن ضخم أبطأت حركته وتجاوزه الموقف بنسبة. هذا الموقف حدث من قبل مع أمريكا في حرب فيتنام، كانت أمريكا تمتلك تفوقا كاسحا على دولة أقل منها بكثير. مع ذلك خرجت من الحرب دون تحقيق أهدافها. لم يكن الحدث مجرد هزيمة ميدانية، بل كان صدمة نفسية واستراتيجية؛ لأول مرة يظهر أن القوة الأمريكية يمكن استنزافها وإرباكها عبر حرب طويلة غير تقليدية. بعد فيتنام، لم تعد صورة العملاق الذي لا يهزم كما كانت. تكرر ذلك في أفغانستان ولم يكن العجز عسكريا بقدر ما كان عجزا عن تحويل القوة إلى نتيجة سياسية مستقرة. الانسحاب بعد عقدين أعطى انطباعا عالميا بأن حتى أعظم قوة قد تصل إلى نقطة تقول فيها الكلفة أكبر من العائد.

وعندما هزمت اليابان الإمبراطورية الروسية في بدايات القرن العشرين، لم يكن الحدث مجرد انتصار عسكري، بل زلزال حضاري. ولأول مرة تهزم دولة آسيوية قوة أوروبية كبرى. هذه الحرب كشفت ضعف الإمبراطورية الروسية، وساهمت مباشرة في اضطرابات داخلية أدت لاحقا إلى الثورة الروسية 1905 التي مهدت الطريق للثورة الشيوعية الكبرة عام 1917.

في حرب السويس حاولت الإمبراطورية البريطانية بالتعاون مع فرنسا استعادة نفوذها في الشرق الأوسط بعد تأميم قناة السويس. عسكريا لم تهزم بريطانيا بشكل مباشر، لكنها أجبرت سياسيا على الانسحاب تحت ضغط دولي، خصوصا من أمريكا والاتحاد السوفيتي. كانت تلك اللحظة بمثابة إعلان غير رسمي لنهاية بريطانيا كقوة إمبراطورية عالمية.

في معركة تويتوبوج، تلقت الإمبراطورية الرومانية هزيمة قاسية على يد قبائل جرمانية. لم تسقط روما لكنها أجبرت على إعادة التفكير في توسعها شمالا، ورسمت حدودا استراتيجية استمرت قرونا. كانت لحظة إدراك أن التوسع له سقف.

القوة العظمى قد لا تهزم دائمًا في ضربة واحدة، بل تكتشف حدودها. وعندما تكتشف الحدود، يتغير سلوك الآخرين. خصومها يصبحون أكثر جرأة، وحلفاؤها أكثر حذرا، والعالم يبدأ في إعادة حساباته.

ليست الهزيمة هي ما يغيّر التاريخ دائمًا، بل لحظة انكشاف الهزيمة الممكنة. عندما يرى العالم أن العملاق يمكن أن يتعثر، حتى لو لم يسقط، تبدأ الأرض كلها في إعادة ترتيب خطواتها. يتكرر النمط، صعود، ذروة، ثم تحول أو تراجع نسبي. لكن هذا القانون ليس ميكانيكيا، ولا يحدث بنفس الصورة في كل مرة.

أمريكا ليست روما، ولا بريطانيا، رغم التشابهات. هي كيان مختلف في بنيته، قوة بحرية عابرة للقارات، اقتصادها لا يزال الأكبر أو من الأكبر عالميا، تملك شبكة تحالفات غير مسبوقة تمتد من حلف الناتو إلى شرق آسيا. هذه الشبكة هي ما يجعل الانحسار بطيئا ومعقدا، لكن لا انهيارا دراميا. ما نشهده ليس سقوطا مفاجئا، لكن إعادة توزيع للقوة. صعود الصين، عودة روسيا إلى المسرح الدولي، وتزايد أدوار قوى إقليمية مثل إيران، كلها عوامل تنهي لحظة القطب الواحد التي أعقبت نهاية الحرب الباردة.

ما تواجهه أمريكا في الشرق الأوسط من ضربات لا يسقط الإمبراطوريات بسرعة، لكنه يرهقها، يكلفها سياسيا واقتصاديا، ويضعف صورة الردع التي تقوم عليها هيبتها. هذا يعطي الإحساس بأن القوة لم تعد كما كانت، ليس لأنها اختفت بل لأن خصوما أصغر أصبحوا قادرين على تحديها بطرق لم تكن متاحة سابقا.

روما لم تسقط بضربة واحدة، ولم تكن القبائل الجرمانية مجرد عدو صغير، بل كانت جزءا من تحولات داخلية عميقة، تآكل اقتصادي، أزمات سياسية، وانقسام داخلي. القوة الخارجية كانت العامل الذي كشف الضعف الداخلي. هذا معناه أن أمريكا لم تهزم أمريكا عسكريا لكن تتآكل قدرتها على الحفاظ على نظامها العالمي من الداخل والخارج معا.

هي لا تزال قادرة على إلحاق ضرر هائل بأي خصم، ولا تزال تملك تفوقا تكنولوجيا وعسكريا واضحا. لكن قدرتها على فرض إرادتها السياسية بشكل كامل تراجعت. هذا جوهر التحول من هيمنة شبه مطلقة إلى منافسة معقدة.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا، لكنه يشبه نفسه. قد لا نرى سقوطا أمريكيا على الطريقة الرومانية، بل انتقالا تدريجيا إلى عالم متعدد الأقطاب، حيث لا تختفي القوة، بل يعاد توزيعها، وتصبح أكثر قابلية للتحدي. الإمبراطوريات القديمة كانت تموت، أما القوى الحديثة فغالبا ما تتحول. أمريكا لا تبدو كإمبراطورية تحتضر، لكن كعملاق بدأ يشعر بثقل جسده، بينما يتعلم الآخرون كيف يضربونه في نقاط لم يكن يحسب لها حسابا. لكن هذا لا يعني أننا أمام شيخوخة إمبراطورية بالمعنى الكلاسيكي. أمريكا ما زالت تملك عناصر قوة لم تجتمع لأي إمبراطورية سابقة بهذا الشكل، اقتصاد ضخم، هيمنة تكنولوجية، عملة عالمية، وتحالفات عابرة للقارات مثل حلف الناتو. هذه ليست علامات انهيار، بل علامات قوة ما زالت فعالة، لكن مع ضمور في عضلات هذه القوة. فقد تغيرت أدوات الصراع. لم يعد من الضروري هزيمة أمريكا في معركة تقليدية لإضعافها. يكفي استنزافها، التشويش على صورتها، ضرب مصالحها بشكل غير مباشر، وإظهار أن هيبتها قابلة للاختبار. هنا يظهر الإحساس بأن العملاق يضرب حتى لو ظل واقفا.

ضمور القوة الأمريكية جعلها تتحول من الهيمنة المطلقة إلى الهيمنة المقيدة. لم تعد أمريكا تحكم النظام الدولي وحدها، لكنها ما زالت اللاعب الأثقل فيه. لم تفقد أنيابها، لكنها لم تعد الحيوان الوحيد في الغابة. خصومها لم يصبحوا أقوى منها بشكل مطلق، لكنهم تعلموا كيف يقتربون منها دون أن يلتهموا، وكيف يتركون على جسدها جروحا صغيرة كثيرة لا تقتل، لكن ترهقها وتستنزفها.

رغم أن أمريكا ليست سيفا كسر، لكنها سيف ثقل حمله. لا تزال قادرة على القطع، لكن يدها لم تعد تتحرك بالخفة نفسها، ولا تضرب باليقين ذاته. خصومها لا يقفون أمامها في ساحة واحدة، بل يحيطون بها في دوائر، يختبرون أطرافها، ويتركون عليها خدوشا صغيرة تتراكم مع الزمن لتصبح جروحا نازفة تنهك جسدها العملاق.