لبنى وعجرمة والعنب المر
حكى لي الأستاذ جمال الليثي، رحمه الله، أنه عندما تولى رئاسة شركة القاهرة للسينما وهي ثالث شركات القطاع العام بعد «فيلم إنتاج» و«كوبر فيلم»- كان فيلم «الطريق» هو أول فيلم لشركة القاهرة للسينما، وقد نجح نجاحاً مدوياً، وكان فيلمه الثاني في القطاع «العنب المر» وأسند إنتاجه للمنتج الكبير رمسيس نجيب الذي كان يعتبره جمال الليثي أستاذه ومعلمه في دنيا الإنتاج، وكان مخرج الفيلم هو الأستاذ فاروق عجرمة، وكان ممثلاً في بعض أفلام السينما المصرية وهو طفل قبل أن يسافر إلى أمريكا ليدرس التمثيل والإخراج في جامعة كاليفورنيا، وعندما عاد استقبله الأستاذ رمسيس نجيب ومعه زوجته الفنانة لبنى عبدالعزيز وتحمسا جداً لسيناريو فيلم كان يريد الأستاذ فاروق عجرمة أن يخرجه وهو «العنب المر»، وكان جمال الليثي، كما حكى لي، يثق تمام الثقة بأن جزءاً كبيراً من حماس الأستاذ رمسيس نجيب والفنانة لبنى عبدالعزيز لعجرمة وفيلمه نابع أساساً من حلم لبنى عبدالعزيز في الحياة الأمريكية، إلا أنه على الرغم من ذلك لم يبخل بأي مساندة في إنتاج الفيلم، وأحاط الفنانة لبنى عبدالعزيز بمجموعة من النجوم الكبار، على رأسهم الفنان الكبير أحمد مظهر والفنان محمود مرسي، وبحث بالفعل عن مزرعة حقيقية للعنب لكي يصور فيها الأستاذ فاروق عجرمة المشاهد الخارجية لفيلمه وأحداثه التي تدور في حقول العنب أثناء جني المحصول.
وكان من الواضح أن فاروق عجرمة متأثر بفيلم أمريكي وهو ينقل أحداثه محاولاً تمصيرها، وكما روى لي جمال الليثي فعندما كانوا يشاهدون نسخة العمل بعد انتهاء التصوير فوجئ بمشهد كبير يحمل عبارة «الطريق إلى بكاتا»، وهو اسم القرية التي تقع في محيطها المزرعة، وأصبحت هذه العبارة نكتة يتبادلها الوسط الفني كله يتندرون بها على المخرج العائد من أمريكا بعد دراسة الإخراج، ولم يترك فيلم «العنب المر» عند عرضه أي أثر يذكر، لكنه لم يسبب خسارة مادية فهو لم يكسب ولم يخسر، خاصة وقد ساندته أسماء كبار النجوم الذين شاركوا في بطولته، وكما حكى لي الأستاذ جمال الليثي أنه سرعان ما امتص كشركة منتجة الأثر الذي تركه العنب المر والتأرجح بين الفشل والنجاح وخطط لإنتاج فيلم مغامرات مأخوذ عن قصة للأديب الكبير ثروت أباظة عنوانها «هارب من الأيام» وأخرجه المخرج الكبير حسام الدين مصطفى بعد نجاحه المدوي في إخراج فيلم «الطريق»، ونجح في ضغط نفقات الإنتاج مستفيداً بنجم جماهيري كبير هو فريد شوقي إلى جانب الفنانة سميرة أحمد إلى جانب ثلاثي له شعبية كبيرة هو محمود المليجي وصلاح منصور وصلاح قابيل، أحد النجوم الطالعة التي أفرزتها شاشة التليفزيون في ذلك الوقت.
وكان جمال الليثي دائماً يردد بأنه بقدر إيمانه الدائم بأن العمل الفني يجب أن يكون قائماً على الحب والفهم بين المجموعة التي تتعاون في إنجازه، فلم يتصور يوماً أن ينتج فيلماً لا يتعاطف مع نجومه ويربطه بهم تقدير ومودة تصل إلى مستوى الحب، وكذلك يجب أن يختار قصة يحبها ويحب الناس معه أن يروها في فيلم معروض على الشاشة، ولا بد أن ينقل هذا الحب إلى كاتب السيناريو ثم إلى المخرج بعده.. وكما روى لي فعندما جاءه الأستاذ كمال إسماعيل، وكان مديراً لإذاعة صوت العرب بقصته «شياطين الليل». أعجبه فيها خط وطني من تاريخ كفاح مصر لم يقترب منه أحد ليقدمه من قبل في فيلم.. ثوار عنابر السكة الحديد وجمعيتهم السرية التي كانت تتصيد عساكر الإنجليز في الظلام، وعلى أطراف أحياء اللهو في القاهرة.. ثم قصة بنت الليل صاحبة الكباريه التي كانت تأخذ المطاردين من هؤلاء الثوار لكي تعطيهم الملاذ الآمن من جنود المحتل الذين يطاردونهم.. وعلى الفور رشح هند رستم لدور البطولة أمام فريد شوقي، فالفيلم طابعه المغامرات والحركة مما كان يجيده ويتميز فيه نيازي مصطفى... وكعادته في تقديم وجه جديد من الوجوه التي تكفل التليفزيون بكسب نجوميتها وقدمت لأول مرة على الشاشة صلاح السعدني بين أمينة رزق وليلى شعير وشفيق نور الدين وحسن حامد.
أقامت مجلة «الكواكب» جرياً على عادتها السنوية مسابقة للوجوه الجديدة التي ترغب في العمل في السينما، واختارت الكواكب لجنة من السينمائيين لكي يشتركوا في التصفية الأخيرة لأصحاب الوجوه المرشحة للفوز، كانت هذه اللجنة تضم المخرج الكبير صلاح أبوسيف وزميله كمال الشيخ والمنتج رمسيس نجيب والمصور وحيد فريد وزميله عبدالحليم نصر وكان جمال الليثي عضواً في هذه اللجنة وكان يمثل الكواكب فيها مجدي فهمي رئيس تحريرها ومدير قسم التصوير محمد صبري.
وكما روى لي جمال الليثي بدأت اللجنة عملها، وبدأوا تصفية الوجوه المشاركة، وبين هذه الوجوه، تركز اهتمام اللجنة على فتاتين.. هدى هداية ورجاء صادق، بينما الشباب لم يكن بينهم غير وجه واحد صالح هو مجدي وهبة الذي شق طريقه فيما بعد كممثل.. وبالفعل كان ترتيب هدى هداية الأولى على المتسابقين وجاءت رجاء صادق في المرتبة الثانية، وكان مجدي وهبة هو الفائز الأول بين الشباب.. وكان جمال الليثي يستعد لإنتاج فيلمين.. اختار هدى هداية لكي تظهر لأول مرة في فيلم «عندما نحب» وكان يخرجه فطين عبدالوهاب وتقوم ببطولته نادية لطفي مع رشدي أباظة.
وأعطى رجاء صادق دوراً في فيلمه الثاني الذي كان ينتجه في تلك الفترة وهو «صاحب الجلالة» مع فريد شوقي وفؤاد المهندس وسميرة أحمد وتوفيق الدقن.
وكما روى لي جمال الليثي فقد أعطى لميرفت أمين أحد الأدوار البارزة في فيلم «ثرثرة فوق النيل» وكما روى لي فقد قابلها في الإسكندرية، وكانت قد ذهبت إلى هناك مع فرقة الفنانين المتحدين لكي تمثل مسرحية مع عبدالمنعم مدبولي وسعيد صالح ومحمد صبحي، وحدث أن غضبت الجماهير من مجموعة الفنانين على المسرح، وبدأوا يتبادلون معهم عبارات السخرية، فقرر عبدالمنعم مدبولي وكان مخرج العرض أن يسدل الستار على المسرحية، ويرد للجماهير قيمة تذاكر الدخول أو السماح لمن يريد أن يرى المسرحية بدخولها في اليوم التالي، وكانت الممثلة مديحة كامل موجودة في نفس الليلة وكانت النية معقودة على استبدال الفنانة ميرفت أمين بمديحة كامل في بطولة المسرحية دون أن تعرف هذا، وفي الليلة التالية فوجئت ميرفت أمين بمديحة تمثل دورها، فانصرفت غاضبة محبطة، فقابلها جمال الليثي في فندق وندسور، وجلسا معاً في كافتيريا الفندق، وكان يعرف «ميرفت» من طفولتها، ويعرف والدتها إنجليزية الأصل وأباها الذي كان شقيقاً لزميله في المدفعية عبدالمنعم أمين الذي كان عضواً في قيادة الثورة، وقبل أن يقدمها النجم أحمد مظهر في أول فيلم يخرجه للسينما سمع جمال الليثي قصة تركها للمسرحية منها بصوت تخنقه الدموع، وقالت له في النهاية إنها تريد العودة فوراً إلى القاهرة، وعرض عليها أن تركب معه سيارته ويعودا معاً إلى القاهرة.
وهكذا كانت ميرفت أمين من ترشيحاته الأولى في فيلم «ثرثرة فوق النيل» ولم يختلف هو وحسين كمال على ذلك، في نفس الفيلم كان قد رشح حسين كمال الممثلة سناء مظهر لدور الزوجة الخائنة التي تتردد على العوامة، وعندما دخلت مكتب جمال الليثي، وكما روى لي، فوجئ بها أشبه بعروسة المولد، من كثرة ما تضع على وجهها من ماكياج ومساحيق، وفوجئت به يطلب منها أن تذهب إلى الحمام فتغسل وجهها لتزيل كل هذا المكياج ليراها على الطبيعة واعتبرت هذا الطلب إهانة لا تغتفر وانصرفت غاضبة، وروى هذه القصة لحسين كمال ورشح له الراقصة نعمت مختار.