بعد نشر «الوطن» لقصتها.. عودة الطفلة «بيسان» من دار أيتام بمصر إلى حضن أمها في غزة

كتب: رؤى ممدوح

بعد نشر «الوطن» لقصتها.. عودة الطفلة «بيسان» من دار أيتام بمصر إلى حضن أمها في غزة

بعد نشر «الوطن» لقصتها.. عودة الطفلة «بيسان» من دار أيتام بمصر إلى حضن أمها في غزة

في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، انتظرت الأم العشرينية سندس الكرد لحظة لقاء طفلتها «بيسان»، بعد غياب استمر عامين ونصف، منذ ولادتها في 22 أكتوبر 2023، وسط ظروف إنسانية قاسية شهدها القطاع، إذ وقفت متكئة على الجدار، تمسك بثوب فلسطيني صغير أعدّته لاستقبال طفلتها، وبجوارها دمية قماشية وزوج من الشرابات داخل حقيبة، بينما تتابع الباب الذي ستدخل منه ابنتها، في أول لقاء يجمع بينهما منذ لحظة الميلاد، هذه اللحظة عمرها شهر ونصف منذ أن نشرت «الوطن» قصة الطفلة منتصف شهر فبراير الماضي.

الطفلة بيسان

ولدت «بيسان» بعد أسبوعين من اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال مستشفى الشفاء بمدينة غزة، وتقطع الكهرباء والوقود عن أقسام العناية المركزة والحضانات، ما اضطر الأهالي والأطقم الطبية لنقل الأطفال الخدج، بينهم الطفلة، بجهود ذاتية سيرا على الأقدام نحو الجنوب، وجرى لاحقًا إجلاء هؤلاء الأطفال إلى مصر لتلقي الرعاية الصحية، بينما فقدت الأم الاتصال بابنتها، واعتقدت أنها استشهدت، بعد انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبعد شهور من البحث، عثرت الأم على طفلتها داخل دار أيتام جنوب القاهرة، حيث تعرفت عليها من خلال سوار الولادة الذي ظل في معصمها، ليُعيد لها الأمل بعد فترة من الفقد والانتظار.

غزة

اللقاء الأول والتعرف على طفلتها

في ساحة المستشفى امتزجت الزغاريد بدموع الفرح لحظة وصول الطفلة «بيسان»، حيث وقفت الأم وسط الزحام تترقب المشهد الذي طال انتظاره، إذ قالت إنها لم تكن تعلم كيف ستصف مشاعرها في تلك اللحظة، لكنها بمجرد أن رأت طفلتها، لم تتمالك نفسها وانهمرت دموعها، قبل أن تمد ذراعيها لاحتضانها، مرددة: «مش مصدقة إن بيسان معايا، هاي أول مرة بشوف ملامحها وبعرف شكلها، كأني بحضن بنتي الشهيدة حبيبة الرحمن، بيسان هي عوض الله ليا»، فيما حمل شقيق الأم الطفلة فوق كتفه واستقبلها بعد خروجها من الحافلة المخصصة لنقلهم، حيث كانت «بيسان» ممسكة بيد المرافق الذي اعتادت عليه على مدار أكثر من عامين، إذ بقيت في البداية ساكنة لا تتبادل العناق، ثم بدأت تتحرك قليلًا نحو والدتها، وتعيد النظر إلى وجهها، وتقول «سندس»: «هي طفلة وما عاشت معنا ولا تعرفنا، وهاي الشئ أثر في نفسيتي جداً، ولكن معلش راح نعوض كل اللي فاتنا، بدنا بس شوية وقت عشان بيسان تتعرف عليا أنا وأبوها وبسيم أخوها، هاي اللحظة كانت حلم، وكل شئ راح يكون أحسن بكرم ربنا».

بيسان مع والدتهابيسان مع والدها

وصول الأطفال الخدج إلى قطاع غزة

لم تكن «بيسان» وحدها بل وصل إلى قطاع غزة اليوم 8 أطفال من الخُدّج عبر معبر رفح البري، برفقة طواقم تمريضية أشرفت على رعايتهم طوال فترة علاجهم خارج القطاع، وذلك بعد تحسن أوضاعهم الصحية، وكان الأطفال ضمن الحالات التي جرى إجلاؤها من حضّانات مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة خلال الأسابيع الأولى من العدوان الإسرائيلي، في ظل ظروف صحية بالغة الخطورة نتيجة الاستهداف المباشر للمستشفى والإخلاء القسري، إلى جانب النقص الحاد في الإمكانيات الطبية والرعاية المتخصصة لحديثي الولادة.

وصول الأطفال الخدج

واستقبلت الفرق الطبية في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس الأطفال فور وصولهم، حيث تم نقلهم إلى الأقسام المختصة لاستكمال متابعتهم الصحية وتقديم الرعاية اللازمة لهم، وتأتي عودة هؤلاء الأطفال في إطار الجهود المستمرة لإنقاذ المرضى والتخفيف من تداعيات الأزمة الصحية التي يشهدها القطاع في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه المنظومة الطبية.

بعد عامين من الفراق، عثرت سندس الكرد على ابنتها في دار أيتام بمصر، حيث المأساة أسفل ركام إحدى المنازل في بيت لاهيا شمال القطاع، ومرت بحضّانة بلا كهرباء في مستشفى الشفاء، قبل أن تستقر في دار للأيتام بمدينة 15 مايو بالعاصمة المصرية، وتقول الأم العشرينية إنها عاشت على الجهة المقابلة من الحدود على صورة ابنتها التي لم تحتضنها يومًا، و تعود فصول القصة إلى أواخر شهر أكتوبر قبل ثلاثة أعوام بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي على القطاع، إذ لم تكن أروقة مستشفى الشفاء في غزة أقل خطورة من الشوارع خارجه؛ فأصوات القصف والأحزمة النارية كانت تحيط بالمبنى من كل الجهات، والمصابون يتمددون على الأرض الغارقة بالدماء بعدما امتلأت الأسرة بالحالات الحرجة، ولم يعد هناك موضع قدم، كما تحلق الطائرات المسيرة فوق المستشفى وتطلق نيرانها بين الحين والآخر، فلم يعد المستشفى مكانا للعلاج بل أصبح مسرحًا مفتوحًا للموت والحياة معًا.

بيسان في مصر

إصابة وولادة قيصرية

في إحدى زوايا قسم الاستقبال، كانت سندس الكرد، صاحبة الـ29 عاما، تصارع الموت بصمت، وذلك بعد انتشالها من تحت أنقاض منزلها بمنطقة مشروع بيت لاهيا، بعد استهدافه بشكل مباشر بعدد من الصواريخ والقنابل الخارقة للتحصينات، إذ كانت تجلس رفقة أسرتها تعد الخبز، وتصف تلك اللحظات: «كل شيء صار ظلام، فقط ضوء أحمر، ثم وجدت نفسي تحت الردم»، وبعد ساعات من القصف تم نقل سندس إلى المستشفى الإندونيسي شمال غزة، إذ كانت حاملًا في شهرها الثامن، وأصيبت إصابات بالغة الخطورة؛ ليجري تحويلها إلى مستشفى الشفاء لصعوبة التعامل معها، وهناك أخبرها الأطباء أن حالتها ميؤوس منها، ووُضعت جانبًا ضمن من هم في عداد الموتى، وذلك في ظل سياسة فرز قاسية حينها فرضها نقص الإمكانيات الطبية من أدوات وكوادر في ظل كثرة الجرحى الذين كانوا يتوافدون باستمرار، إذ يُعالج فقط من يجدون هناك أملا في شفائه.

وحكت السيدة العشرينية أنها كانت أثناء سماعها تلك الكلمات لا تزال تدرك كل ما يدور حولها، قبل أن تفقد وعيها إثر نزيف حاد، وحين أفاقت وجدت صفائح بلاتين في قدمها، وعمليات جراحية في يديها، وشريانًا مقطوعًا تم ترميمه، وقبل أن تستوعب ما جرى جاءها صوت الممرضة بشكل مفاجئ وهي تصرخ بأعلى صوتها في طرقات المستشفى وتنادي باسمها: «سندس الكرد.. ولادة عاجلة»، حيث كان نبض الجنين بدأ يضعف، وتخطيط القلب غير مستقر، يتوقف ثم يعود، ليتم نقلها فورًا إلى عملية قيصرية طارئة.

غزة

وُولدت طفلتها «بيسان» في ظروف صحية شديدة الصعوبة، بعدما استنشقت غازات الصواريخ، ونُقلت مباشرة إلى العناية المركزة لعدم استقرار حالتها، فهي مولودة في الشهر الثامن، ضعيفة الجسد، محاطة بأجهزة لا تكاد تجد كهرباء تشغّلها: «ما شوفت بنتي لأني كنت أنتقل من عملية لأخرى بسبب إصابتي»، وبعد مرور 24 ساعة جاءها الخبر الأقسى وهو استشهاد ابنتها حبيبة الرحمن ذات الـ3 سنوات: «لما فوقت من العملية قولت لهم بدي بنتي الكبيرة حبيبة الرحمن اللي كانت جنبي وقت الاستهداف قالوا لي هي بخير، كانوا بيحاولوا يخبوا خبر موتها عشان خايفين عليا، ولقوها طايرة تحت أنقاض بيت تاني، وكانت نايمة في الكفن متل الملاك الله يرحمها»، ليصبح يوم ولادة طفلتها «بيسان» هو ذاته تاريخ استشهاد ابنتها حبيبة الرحمن، وتستطرد: «فعلا يوم ميلاد الفرح كان في حبيب رايح».

اقتحام مستشفى الشفاء وفقدان المولودة

بحلول يوم العاشر من نوفمبر من العام ذاته، اقتحم جنود الاحتلال مستشفى الشفاء، وأُجبرت سندس وزوجها على الخروج تحت تهديد السلاح، بينما كانت الطائرات قد قصفت الطابق الخامس فوق قسم الولادة مباشرة؛ لتغادر الأم المصابة وأطرافها مهددة بالبتر، وهي تصرخ: «بدّي بنتي مشان الله»، لكنها خرجت دون بيسان التي بقيت في الحضانة داخل المستشفى: «ما كنت حتى لحقت أسميها وأسجلها بشكل رسمي».وبعد مرور أيام انتشرت أخبار عن فقدان عدد من الأطفال الخدج بمستشفى الشفاء نتيجة البرد ونقص الدواء والكهرباء، ولم يعد أحد قادرًا على الوصول إلى المبنى الطبي لمعرفة مصيرهم، فيما لم تعد الأم المكلومة تعرف شيئًا عن طفلتها، وبعد ستة أشهر من البحث وفقدان الطفلة، وصلت معلومة بأن بعض الأطفال الخدج تم إجلاؤهم إلى مستشفى العريش العام في مصر عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر لكن دون أسماء أو تفاصيل واضحة، تواصلت الأسرة مع جهات عدة في رفح ومستشفى العريش ولكن بلا نتيجة.

غزة

رحلة البحث والإقامة في دار أيتام

مع مرور الوقت دون أخبار موثقة بدأ اليأس يتسلل إليها، إذ قال لها الجميع: «اعتبريها شهيدة مثل أختها حبيبة»، لكنها كانت ترد: «لا هذه عوض الله لي بعد استشهاد أختها وأهلي»، لتأتي اللحظة الفاصلة بالصدفة البحتة داخل مستشفى المعمداني بمدينة غزة، إذ كانت تتلقى العلاج مع زوجها، عندما دار حديث عابر بين الزوج وأحد الممرضين الذين عملوا سابقًا في مجمع الشفاء خلال حصار الخدج، وذكر الممرض قصة طفلة لم يتعرّف عليها أهلها بعد، ليسأله الأب هل ما زال سوار الولادة في معصمها، فأجابه الممرض بنعم، ليأتي الاستفسار الآخر، هل لديك صورة لها، فرد بالإيجاب، وحين عرض الصورة، ارتجف صوت الزوج وقال: «هذه ابنتي.. كنت أعتقد أنها استشهدت، لتبدأ رحلة جديدة من البحث، حتى نجح الوالدان في التواصل مع محمود عطية، الممرض الذي رافق بيسان أثناء إجلائها، وقال إنّ الطفلة نُقلت أولًا من مجمع الشفاء إلى مستشفى ناصر بخانيونس: «الأهل والعاملون هم من أحضروها بدون أي مرافق طبي»، ثم انتقلت إلى العريش ومنها إلى مستشفى العاصمة الإدارية الجديدة بالقاهرة، قبل استقرارها في إحدى دور رعاية الأيتام بحلوان بعدما اعتُقد أن أهلها استشهدوا في الحرب، فأصبحت تُسجل كطفلة يتيمة.

غزة

وتابعت «سندس»: «لما قدرنا نتواصل مع المرافق وعرفت إنها عايشة وشوفتها لأول مرة ما تمالكت نفسي، مشاعري كانت كأنها حلم، بنتي عمرها سنتين ونصف، ولم ألمسها يومًا، لم أحضنها، أعرفها فقط من الصور اللي ترسلها مربيتها، وأكثر ما يؤلمني أنها ما بتعرفنا».

وأضافت الأم، أنها التقت بالدكتور منير البرش، مدير عام وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، ما كشف بعدًا آخر للقصة، إذ أخبرها أنه كان شاهدًا على نقل الأطفال من مستشفى الشفاء، إذ وُضعوا في صندوق زجاجي، ومع شدة البرد وغياب الكهرباء، تم وضع قِرَب الماء الساخن بجوارهم لتدفئتهم لحين التمكن من إجلائهم.

غزة

وأشارت إلى إنها تحلم باليوم الذي تحتضن فيه طفلتها وتجتمع معها دون فراق، كما تتمنى أن تسافر لتلقي العلاج اللازم حيث لا تزال تعاني من تهشم في مفصل كاحل القدم وكسور متفرقة بجسدها، مختتمة: «هذه قصة بنتي اللي اتولدت من رحم الألم، وتحدت الموت والاحتلال منذ لحظتها الأولى وأنا مؤمنة أن الأرواح تتلاقى بعد شتاتها، وسوار ولادة صغير كان أقوى من الحرب».

إجلاء الأطفال الخدج إلى مصر

وفي نهاية شهر نوفمبر 2023، كانت مصادر طبية أكدت نقل 31 رضيعا من الخدج بأمان من مستشفى الشفاء في غزة إلى مستشفى تل السلطان بمدينة رفح جنوبا، وجرى نقلهم إلى مصر، في حين ظل عشرات المرضى المصابين بجروح خطيرة عالقين هناك بعد أيام من اقتحام الاحتلال للمجمع الطبي.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، على وسائل التواصل الاجتماعي حينها، إنه تم إجلاء الأطفال الذين كانوا في حالات خطيرة إلى جانب 6 عاملين صحيين و10 من أفراد أسرهم، مضيفا أنهم نُقلوا إلى مستشفى في مدينة رفح جنوب غزة حيث يتلقون الرعاية العاجلة.

فيما صرح حينها مدير مستشفى الشفاء في غزة الدكتور محمد أبو سلمية، بأن الأطباء يقومون بلف الأطفال الخدج بورق الألمونيوم ووضعهم بجوار الماء الساخن، في محاولة يائسة منهم لإبقائهم على قيد الحياة في الظروف الكارثية التي يمر بها أكبر مستشفى في القطاع. وكانت وزارة الصحة الفلسطينية أعلنت في تلك الفترة وفاة 6 أطفال خدج و9 مرضى في المستشفى، بسبب نفاد الوقود وخروج أقسامه عن الخدمة نتيجة حصار الاحتلال.

وقال أبو سلمية إنه لم يعد هناك ماء أو طعام أو حليب للأطفال والرضع، وأن الوضع في المستشفى كارثي، مؤكدا أن العاملين في المستشفى يبذلون قصارى جهدهم لإبقاء الأطفال حديثي الولادة على قيد الحياة بعد نفاد إمدادات الأكسجين، مضيفاً: «لقد أخرجنا الأطفال الخدج من الحاضنات، ونقوم بلفهم بورق الألمونيوم ووضعهم بجوار الماء الساخن لنتمكن من تدفئتهم».

وأشار أيضا إلى أن غرف العمليات بالمستشفى لا تعمل بسبب انقطاع الكهرباء، مؤكدا أن الأشخاص الذين يحتاجون للخضوع لعمليات جراحية يموتون دون أن نتمكن من فعل أي شيء لهم، متابعا: «الآن يأتي إلينا الجرحى ولا نستطيع أن نقدم لهم أي شيء سوى الإسعافات الأولية».

وقال محمد زقوت، مدير مستشفيات غزة، إن الأطفال يعانون الجفاف والقيء وانخفاض درجة حرارة الجسم، كما أصيب بعضهم بالإنتانات لأنهم لم يتلقوا أي دواء، ولم يكونوا في ظروف مناسبة للبقاء على قيد الحياة، وقال إنهم سيذهبون إلى مصر للحصول على رعاية أكثر تخصصا.

وكانت وزارة الصحة المصرية أفادت بأن الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، تابع وصول 28 طفلا من الأطفال المبتسرين عبر معبر رفح البري، وذلك بناء على توجيهات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وأشارت الوزارة في بيان صدر حينها إلى أنه يجري حاليًا نقل الأطفال للمستشفيات المعدة لاستقبالهم بفرق طبية وتجهيزات على أعلى مستوى لتقديم الخدمات الطبية اللازمة لهم، ووفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة بلغ عدد شهداء العدوان الإسرائيلي 70 ألفا و942 شهيدا، بينهم 18 ألفا و592 طفلا.