غطرسة إسرائيل .. الواهية

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

رغم صغر حجمها وقوتها نسبيا، إلا أن إسرائيل تتعامل مع العالم كله بغطرسة، خاصة في المنطقة. ورغم أنها التي أشعلت الحرب ضد إيران، إلا أنها تتبجح أيضا وتعلن على الملأ خططها لاحتلال دول عربية والسيطرة على البترول العربي وتنفيذ كل أحلامها التوسعية، لماذا تتبجح إسرائيل بهذا الشكل ؟ هل لقوتها، أو لضعف خصومها ؟ دفعت إسرائيل أمريكا لشن الحرب على إيران وهي التي تقود السياسة الأمريكية حاليا، كما أنها تشعل الفتن بين العرب وجيرانهم عندما تضرب لوجستيات هنا أو هناك وتتهم إيران، مستفيدة من الآلة الإعلامية الضخمة الغربية التي تساعدها في بث الأكاذيب والتضليل، هل لولا أمريكا، كانت إسرائيل تجرؤ على فعل ذلك ؟

لطالما استوقفني وأدهشني، وكل أبناء العروبة بالتأكيد، تناقض عجيب في معادلة القوة، كيان لا يتجاوز عمره ثلاثة أرباع القرن، مساحته ضئيلة، سكانه قلة، وموقعه الجغرافي أشبه بجزيرة في بحرٍ عربي متصل، ورغم ذلك ، نراه يتحدث بلهجة الآمر الناهي تملؤها الغطرسة، يهدد هنا، يقصف هناك، ويعلن عن مخططاته لاحتلال بلاد عربية وكأنه يحكي قصة عابرة، هذه الغطرسة ليست وليدة اللحظة، ولا مجرد انعكاس لحالة نفسية جماعية عند قادة إسرائيل، بل استراتيجية متكاملة الأركان تقوم على الاعتقاد والإحساس الإسرائيلي بأنها تمتلك تفويضاً تاريخيا لا يخضع لموازين العدالة أو القانون الدولي. عندما نقول إن إسرائيل هي من تقود السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لا نبالغ فالعلاقة بين الطرفين تجاوزت مرحلة التحالف التقليدي إلى مرحلة التماهي المصيري. إسرائيل تدرك أن مفاتيح الكونجرس الأمريكي في يدها، وأن أي إدارة أمريكية ، ستجد نفسها مضطرة للانحياز إليها، ليس فقط بسبب اللوبي القوي ، بل لأن إسرائيل نجحت في تسويق نفسها للشارع الأمريكي باعتبارها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة والحليف الذي لا يعرف الخيانة. هذا الغطاء الأمريكي يجعل إسرائيل تشعر بأنها فوق المحاسبة، وأن أي فعل ترتكبه سيمر بسلام ، أو على الأكثر سيواجه بإدانة شكلية سرعان ما تنسى.

إسرائيل تستغل هذا الضعف المحيط بها بشكل غير مسبوق. ترى أنها فرصة تاريخية برما لا تتكرر، تخطط لاحتلال أراضٍ عربية جديدة، تتحدث عن السيطرة على النفط العربي، تضع سيناريوهات لتقسيم الدول، وكل ذلك على الملأ، وكأنها تختبر حدود الصبر العربي. لم يعد هناك حتى تكلفة سياسية عليها. فالتطبيع مع بعض الدول العربية فتح الباب أمامها لتقول انظروا، حتى حلفاؤكم العرب يعترفون بنا، فلماذا لا نذهب إلى أبعد من ذلك ؟

إسرائيل دفعت أمريكا وأوروبا نحو مواجهة إيرانية، ليس لأن إيران تشكل تهديدا وجوديا عليها فقط، بل لأنها تريد إبقاء المنطقة في حالة احتراق مستمر. الفتنة بين العرب وإيران، بين السنة والشيعة، بين الأكراد والعرب، بين الأنظمة والشعوب، كلها فتن تصب في صالح إسرائيل. هي ماهرة في توظيف آلة إعلامية غربية ضخمة لقلب الحقائق، فتصبح الضحية هي الجلاد، ويصبح المدافع عن أرضه هو المعتدي.

إسرائيل نموذج مجدد من بريطانيا و لكن بصورة أخرى، مثلها في الغطرسة المفرطة عندما كانت الإمبراطورية البريطانية في ذروة مجدها الاستعماري، مثلها في نموذج الدولة التي تحولت إلى قلعة مسلحة فوق أراضي غيرها، مثل الممالك الصليبية في الشرق الأوسط. لكن ما يميز إسرائيل عن هذه النماذج التاريخية أنها نجحت، بفضل الغطاء الغربي الحديث، في جعل غطرستها جزءا من النظام الإقليمي الطبيعي ، وكأنها أمر واقع لا نقاش فيه.

لكن إسرائيل وحدها ، بدون الغطاء الأمريكي السياسي والعسكري والدبلوماسي، ستجد نفسها كيانا صغيرا معزولا في محيطٍ عربيٍ وإسلاميٍ كبير . لكن حتى مع وجود أمريكا، أليس من المحتمل ان تتحول الغطرسة المفرطة إلى انفجار لا يمكن السيطرة عليه؟ ربما، لكنها تراهن على أن العرب لن يصلوا إلى تلك اللحظة التاريخية التي يقررون فيها أن الكفاية قد جاءت.. وأن الوقت قد حان .

العرب اليوم أمام مفترق طرق، إما أن يكونوا أو لا يكونوا . مصيرهم كما تخطط له إسرائيل، أمة من الدويلات لا تستطيع قول لا. إما أن يصنع العرب تحولا حقيقيا في ثقافتهم السياسية ، يعيدون فيه الاعتبار لمصالحهم القومية العليا، ويدركون أن المواجهة مع إسرائيل لم تعد تحتاج إلى جيوش فقط ، بل إلى مشروع نهضوي شامل يعيد للعربي مجده.

غطرسة إسرائيل ليست قوة حقيقية بقدر ما هي انعكاس لفراغ حولها. وطالما ظل هذا الفراغ قائما، ستستمر الغطرسة في التصاعد. لكن التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تموت، وأن الشعوب التي تحافظ على وعيها ووحدتها لا تهزم إلى الأبد. ربما تكون هذه الفترة التي نعيشها هي آخر مراحل الضعف العربي قبل فجر جديد.