وزارة الأوقاف تعلن نص خطبة الجمعة المقبلة: «قل إصلاح لهم خير»
وزارة الأوقاف تعلن نص خطبة الجمعة المقبلة: «قل إصلاح لهم خير»
أعلنت وزارة الأوقاف نص خطبة الجمعة المقبلة 3 أبريل 2026 بعنوان: «قل إصلاح لهم خير»، موضحة أن الهدف منها حث المجتمع على رعاية اليتيم وتقديم النصح والمعونة بما يكفل تقويمه وصلاحه، مع التحذير من خطورة الشائعات في الخطبة الثانية.
نص خطبة الجمعة الأولى
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فلقد جاء الإسلام بمنهجٍ إصلاحيٍّ متكامل، وكان من أسمى تجليات هذا المنهج وأرقِّها: عنايته البالغة باليتيم، فتكفَّل الشرع بسدِّ خُلَّته، وجبر كسره، ورعاية حقِّه، فتتابعت فيه الآيات، وتكاثرت فيه الأحاديث، حتى صار ميدانًا من ميادين التنافس في الخير، وميزانًا تُقاس به إنسانية الإنسان، وكان من أعظم ما نزل في هذا الباب قول الحق سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}؛
فجاءت كلمة الإصلاح جامعةً مانعة، تختصر منهجًا كاملًا في التعامل مع اليتيم؛ إذ تحمل في طياتها معاني الإحسان، والرعاية، والتربية، والتوجيه، والرفق، بل وحتى الحزم عند الحاجة، كل ذلك في إطارٍ من الرحمة التي تبني ولا تهدم، فكأن القرآن أراد أن يقول: ليس المطلوب مجرد الإعالة، بل صناعة إنسانٍ سويٍّ، تُجبر فيه الكسور، وتُنمَّى فيه القدرات، ويُحاط بسياجٍ من العناية المتكاملة.
والحديث عن اليتيم حديث طويل يمكن أن نتناوله من خلال عدة أمور:
من هو اليتيم؟
تميل العامَّة إلى إطلاق وصف اليتيم على كلِّ طفلٍ فقد أحد والديه، أبًا كان أو أمًّا، وذلك تبعًا لما جرى به العرف واستقرَّ في وجدان الناس؛ إذ يرون في فقد أيٍّ منهما كسرًا ظاهرًا في نفس الصغير، وحرمانًا يمسُّ جانبًا من جوانب حياته.
غير أنَّ العربية - بدقَّتها المعهودة- تُميِّز في هذا الباب تمييزًا لطيفًا، فتجعل اليتيم من الناس: من فقد أباه خاصة، لأنَّ الأب هو موضع الكفالة والقيام بالمصالح في الغالب، فإذا فقدته النفس شعرت بفراغٍ عميق في الحماية والرعاية. أمَّا من فقد أمَّه، فيُقال له: عَجِيّ أو منقطع، تعبيرًا عن انقطاع مورد الحنان والرضاعة.
أمَّا من فقد أبويه معًا، فقد عبَّرت عنه العربية بلفظٍ أشد وقعًا، فقالت: لطيم، في تصويرٍ بليغٍ لشدَّة ما ناله من الفقد.
كما أنَّ وصف اليُتم ليس صفةً ملازمةً مدى الحياة، بل هو حالةٌ مؤقتة تزول ببلوغ الصبيّ ورشده، إذ ينتقل حينها من طور الحاجة إلى طور الاستقلال، وهكذا تكشف لنا هذه الفروق الدقيقة عن ثراء اللغة، وعمق نظرها في تصوير الأحوال الإنسانية، بما يمنح كلَّ حالةٍ اسمها الذي يليق بها ودلالتها التي تعبِّر عنها بأصدق بيان. [انظر: معجم الصواب اللغوي دليل المثقف العربي].
اليتيم في القرآن الكريم:
لقد أولى القرآن الكريم اليتيم بالعناية والرعاية وحفظ حقوقه في آيات عديدة، فذُكرت مادة "اليتم" بجميع مشتقاتها في القرآن الكريم في «اثنتين وعشرين آية»، حيث ذُكِرت كلمة "يتيم" بالإفراد «ثماني مرات»، وبالتثنية مرة واحدة، وبالجمع "يتامى" «أربع عشرة مرة».
ولعل السر في ذلك يرجع إلى ترغيب الناس للعناية بأحوال اليتيم فرادى بأن يكفل من استطاع يتيمًا، ومجموعًا من خلال إنشاء جمعيات ودور لكفالة ورعاية اليتامى.
ومما يشعرك بعظم حديث القرآن الكريم عن اليتيم أن الله تعالى قرن في كتابه العزيز بين الأمر بالإحسان إلى اليتيم وبين عبادته عز وجل؛ فقال سبحانه: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} [النساء: ٣٦36.
وبيَّن أن الإحسان إلى اليتيم من المواثيق الجامعة التي أخذها تعالى على بني إسرائيل من قبل، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83].
وأن الأنبياء – عليهم السلام- جميعهم كانوا أهل رعاية لليتيم، فقال تعالى مخبرًا عن كفالة سيدنا زكريا للسيدة مريم بعد وفاة والدها عمران: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].
إصلاح اليتيم يعني: تقويمه وتربيته على أحسن الوجوه:
إن كلمة الإصلاح كلمة دقيقة، وهي تعني الحكمة في تربية اليتيم، أي: مواساته عندما يحتاج إلى المواساة، والسكوت عن زلاته أحيانًا والتماس العذر له، وتربيته وتقويمه إذا أخطأ أو تجاوز، فكأنها تعني إصلاح وتربية وتعليم كأحسن ما يكون الإصلاح والتربية والتعليم.
فكافل اليتيم يقوم مقام الوالد، عطفًا وإحسانًا وتربية، وتعليمًا، وتوجيهًا، وإرشادًا، وتقويمًا، كل هذا تعنيه كلمة الإصلاح.
ذلك أن اليتيم فقد ركنًا مهمًّا من أركان التقويم والإصلاح، وهو الوالد الذي يقوم على أمر إصلاحه وتربيته وتعهده بكريم الأخلاق وجميل الصفات.
فلا بد وأن يقوم بهذا الدور من ينوب عن الوالد، وإلا لو أُهمل الولد لشقي وهلك، ومن هنا جاءت تعبئة الإسلام لكل أفراد المجتمع بأن يولوا اليتيم مزيدًا من الاهتمام ومزيدًا من الرعاية والعناية والتوجيه؛ لكونه فقد القائم الأصيل بهذا الدور، ولذلك يقوم بهذا الدور القريب والجار والصاحب والغريب وسائر أفراد المجتمع.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْكَلَامُ يَجْمَعُ النَّظَرَ فِي صَلَاحِ مَصَالِحِ الْيَتِيمِ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ وَغَيْرِهِمَا، لِكَيْ يَنْشَأَ عَلَى عِلْمٍ وَأَدَبٍ وَفَضْلٍ لِأَنَّ هَذَا الصُّنْعَ أَعْظَمُ تَأْثِيرًا فِيهِ مِنْ إِصْلَاحِ حَالِهِ بِالتِّجَارَةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا إِصْلَاحُ مَالِهِ كَيْ لَا تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ مِنْ جِهَةِ التِّجَارَةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النِّسَاءِ]، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {خَيْرٌ} يَتَنَاوَلُ حَالَ الْمُتَكَفِّلِ، أَيْ هَذَا الْعَمَلُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا فِي حَقِّ الْيَتِيمِ، وَيَتَنَاوَلُ حَالَ اليتيم) [تفسير الفخر الرازي]
وقد كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله يرى أن الأيتام هم مسؤولية الأمة الأولى، فأصدر أمره لعماله في الأمصار بأن تُرفع إليه حوائج الأيتام والأرامل قبل حوائج الأصحاء والأقوياء، وكان يقول عنهم: "هؤلاء أحقُّ ببيت مالِ المسلمين".
وكل ذلك هو مضمون قول الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ}.
إن المطلوب هو إصلاحهم بالتهذيب والتربية الرشيدة، والمعاملة الحسنة، وإصلاح أموالهم بالمحافظة عليها وعدم إنفاقها إلا في الوجوه المشروعة، فهذا الإصلاح المفيد لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم وتركهم؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} أي: وإن تعاشروهم وتضموهم إليكم فاعتبروهم إخوانكم في العقيدة والإنسانية، وعاملوهم بمقتضى ما تفرضه الأخوة من تراحم وتعاطف ومساواة". [التفسير الوسيط].
من يكفل اليتيم ويقوم بأمره كفل الله تعالى له الجنة في أعلى منازلها بجوار سيد البرايا صلى الله عليه وسلم، فعَنْ سيدنا أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه أَنَّ سيدنا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ، كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ» وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى [رواه أحمد].
«أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ هَكَذا» وأشارَ بالسَّبَّابَةِ والوُسْطَى، للتعبير عن أن مسافة قصيرة جدًّا تفصل كافل اليتيم عن مقام النبوة في الفردوس الأعلى!
بل جاء أن كافل اليتيم والقائم بأمره يسابق سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الجنان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ؟ وَمَا أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي» [رواه أبو يعلى في "مسنده"، وإسناده جيد].
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشفق على اليتامى، ويخفف من آلامهم، ويرحم ضعفهم؛ فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دَابَّةٍ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ نَلْعَبُ، فَقَالَ: «ارْفَعُوا هَذَا إِلَيَّ» قَالَ: فَحَمَلَنِي أَمَامَهُ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِي ثَلاثًا، وَقَالَ كُلَّمَا مَسَحَ: «اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي وَلَدِهِ» [رواه أحمد].
وجاءت زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن استشهد زوجها في مؤتة، وجعلت تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما حل بأولاد جعفر من يتم؛ فقال لها صلى الله عليه وسلم: «الْعَيلْةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [رواه أحمد].
وورد في الأثر عن دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "إِلَهِي؛ مَا جَزَاءُ مَنْ يسْنِدُ الْيَتِيمَ وَالْأَرْمَلَةَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ؟ قَالَ: جَزَاؤُهُ أَنْ يُحَرَّمَ وَجْهُهُ عَلَى لَفْحِ النَّارِ، وَأَنْ أُؤَمِّنَهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ" [حلية الأولياء].
وعَنْ سيدنا مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ رضي الله عنه أن رَجُلا مِنْهُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ، وَمَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فَكَاكَهُ مِنَ النَّارِ، يُجْزِي لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» [رواه أحمد].
وَعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ رَحِمَ الْيَتِيمَ، وَلَانَ لَهُ فِي الْكَلَامِ، وَرَحِمَ يُتْمَهُ وَضَعْفَهُ، وَلَمْ يَتَطَاوَلْ عَلَى جَارِهِ بِفَضْلِ مَا آتَاهُ اللَّهُ» وَقَالَ: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ رَجُلٍ، وَلَهُ قَرَابَةٌ مُحْتَاجُونَ إِلَى صِلَتِهِ وَيَصْرِفُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ].
وعَنْ سيدنا عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ سيدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَالَ ثَلَاثَةً مِنَ الْأَيْتَامِ كَانَ كَمَنْ قَامَ لَيْلَهُ وَصَامَ نَهَارَهُ، وَغَدَا وَرَاحَ شَاهِرًا سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ أَخَوَيْنِ كَهَاتَيْنِ أُخْتَانِ» وَأَلْصَقَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى" [رواه ابن ماجه].
إذا أردت أن يلين قلبك فقرِّب اليتيم
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ الْأَزْدِيِّ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ، كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ: يَا أَخِي، " أَدْنِ الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَشْكُو إِلَيْهِ قَسْوَةَ الْقَلْبِ، فَقَالَ لَهُ: «أَدْنِ الْيَتِيمَ مِنْكَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ؛ يَلِنْ قَلْبُكَ، وَتَقْدِرْ عَلَى حَاجَتِكَ» [رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب].
وعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُلَيَّنَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمَسَاكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» [السنن الكبرى للنسائي].
وعَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ أَبِي عِيسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: وَقَفَ غُلَامٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي غُلَامٌ يَتِيمٌ وَإِنَّ لِي أُمًّا أَرْمَلَةٌ مِسْكِينَةٌ وَأُخْتًا أَرْمَلَةٌ مِسْكِينَةٌ، فَآتِنَا مِمَّا آتَاكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَدَّ اللهُ فِي الرِّضَا عَنْكَ حَتَّى تَرْضَى، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ أَعِدْ عَلَيَّ كَلَامَكَ إِنَّكَ لَمَقُولٌ عَلَى لِسَانِكَ» فَأَعَادَ كَلَامَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلُمُّوا مَا فِي بَيْتِ آلِ رَسُولِ اللهِ» قَالَ: فَأُوتِيَ بِجَفْنَةٍ مِنْ تَمْرٍ أَكْثَرَ مِنْ مِلْءِ الْكَفِّ، وَأَقَلَّ مِنْ مِلْءِ الْكَفِّ، قَالَ: «خُذْ هَذَا، فَفِيهِ غَدَاؤُكَ وَغَدَاءُ أُمُّكَ وَأُخْتِكَ وَسَأُعِينُكَ فِيهِمْ بِالدُّعَاءِ» فَأَخَذَهَا الْغُلَامُ، وَخَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ لَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا أَدْرِي أَعْطَاهُ شَيْئًا أَمْ لَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: "فَمِنْ هُنَاكَ جَرَتْ سُنَّةُ الْمَسْحِ عَلَى رَأْسِ الْيَتِيمِ" [شعب الإيمان].
ومن أفضل ما يحكى عن لين من يحسن إلى اليتيم ما جاء عن عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيَّ، قَالَ: "كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ صَبِيَّهُ الشَّيْءَ فَيَخْرُجَ بِهِ فَيَرَاهُ الْمِسْكِينُ فَيَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ وَيَرَاهُ الْيَتِيمُ فَيَبْكِي عَلَى أَهْلِهِ". [رواه أحمد بن حنبل في الزهد].
من أقبح الذنوب وأشدها على العبد أن يأكل مال اليتيم، أو يقسو عليه، أو يستهين بحقه، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةَ الْيَتِيمِ؛ فَإِنَّهُمَا تَسْرِيَانِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [حلية الأولياء].
وفي الحديث: «اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: اليَتِيمِ، والمَرْأَةِ» أي: أُلحق الإثم والحرج العظيم بمن ضيع حقهما ولم يقم بهما.
ووجه صلى الله عليه وسلم من كان ضعيفًا ألا يتولين مال يتيم؛ لأنها أمانة ومسئولية، فلا يأخذها أحد إلا بحقها، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؛ لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» [رواه مسلم].
وقد صان الله تعالى حق اليتيم أن تتطرق إليه يد الخيانة بانتقاصه أو التفريط فيه أو تعريضه للخسارة والهلاك، ويتمثل هذا في الوعيد الصريح الذي سطره ربنا في كتابه حين قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}، فتكفي هذه الآية تهديدًا لكل من تسول له نفسه الاعتداء على مال اليتيم، ولعل هذا يعكس وجهًا من وجوه العناية الكاملة التي أبداها الإسلام لليتيم.
خير البيوت بيت يكرم فيه اليتيم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ» [رواه ابن ماجه].
وقال بعض الحكماء: بيتٌ فيه يتيمٌ مكرَّم بيتٌ تحفه الرحمة.
إن إكرام اليتيم وإعزازه سر إكرامك وإعزازك أنت ومن تحب، فسترى بركة إكرام اليتيم في نفسك وولدك وأهلك، وقد كان سيدنا السَّرِيَّ السَّقَطَي، يَقُولُ: "هَذَا الَّذِي أَنا فِيهِ، مِنْ بَرَكَاتِ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ انْصَرَفْتُ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ فَرَأَيْتُ مَعَ مَعْرُوفٍ صَبِيًّا شَعِثًا فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: رَأَيْتُ الصِّبْيَانَ يَلْعَبُونَ وَهَذَا وَاقِفٌ مُنْكَسِرٌ، فَسَأَلْتُ الصَّبيَّ لِمَ لَا تَلْعَبُ؟ فَقَالَ: أَنَا يَتِيمٌ، فَقُلْتُ لمعْروفٍ: أَعْطِيِنِيهِ أُغَيِّرْ مِنْ حَالِهِ، فَقَالَ لِي: أَوَ تَفْعَلُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لِي: خُذْهُ أَغْنَى اللَّهُ قَلْبَكَ فلما أصْلَحْتُ مِنْ حَالِهِ وفرَّحتُهُ اسْتَجَابَ اللهُ فيَّ الدَّعْوَةَ بِغِنَى القَلْبِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلدُّنْيَا فِي قَلْبِي وَزْنٌ" [حلية الأولياء].
وفي لفظ آخر: قَالَ له: بغّض اللَّه إليك الدنيا وأراحك مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، قال السري: فقمت من الحانوت وليس شَيْء أبغض إِلَيّ من الدنيا، وكل مَا أنا فِيهِ من بركات معروف [الرسالة القشيرية].
إن إكرام اليتيم ليس مجرد إحسان منك أو تعطف، بل هو في جوهره تجديد للعهد مع سيد الأنام، وتأسٍّ به في موطن عظيم من مواطن الرحمة التي جاء لينثر أريجها عبر الأقوال والأفعال، فكانت ديدنًا له صلى الله عليه وسلم، ووصفًا لازمًا، وعنوانًا لرسالة جامعة حيث قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}؛ فطوبى لمن جدّد العهد واقتفى الأثر.
يا كافِلَ الأيتامِ كفُّكَ واحةٌ* تَروي ظَما الأرواحِ في حِرمانِها
بُشراكَ جَنَّاتُ الخُلودِ وقُربُ مَنْ* نالَ الشَّفاعةَ في عُلا رِضوانِها
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» [رواه أحمد].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ، نِسَاءُ قُرَيْشٍ: أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ». [رواه أحمد في مسنده].
أطيب المال مال اشترك فيه يتيم
كان الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي يقول: أنا لا أغبط الغني على غناه إلا في موطن واحد من مواطنه، فأغبطه إن رأيته يشبع الجائع، ويواسي الفقير، ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه الدهر أباه، والأرملة التي فجعها القدر في عائلها، ويمسح بيده دمعة البائس والمحزون؛ ثم أرثي له بعد ذلك في جميع مواطنه الأخرى [النظرات].
إن أطيب المال وأحسنه ما كان في طاعة الله تعالى وخاصة ما أُعطي منه اليتيم؛ فعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِب المُسلِم مَا أَعْطى مِنهُ المِسْكِين واليَتِيم وابْنَ السَّبِيلِ» [متفق عليه].
وقد كان سيدنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا وَعَلَى خِوَانِهِ (مائدته) يَتِيمٌ [رواه البخاري في الأدب المفرد].
وعن جابر بن زيد قال: لَأن أتصدق بدرهم على يتيم أو مسكين أحب إلي من حَجة بعد حجة الإسلام. [صفة الصفوة لابن الجوزي].
وقال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا}
وقال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ}
وعَنْ سيدنا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْيَتِيمَ إِذَا ضُرِبَ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِبُكَائِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مَلَائِكَتِي مَنْ أَبْكَى الَّذِي غَيَّبْتُ أَبَاهُ فِي التُّرَابِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ. قَالَ: تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا لَا عِلْمَ لَنَا. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنَّ مَنْ أَرْضَاهُ فِيَّ، فَأُرْضِيهِ مِنْ عِنْدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». [رواه السمرقندي في تنبيه الغافلين].
اجعلوا من اليتيم قائدًا وإمامًا:
إن القائد في عمله، والإمام في العلم، والصانع الماهر في صنعته، والتاجر الماهر في تجارته، لم يكن أحدهم يومًا بعيدًا عن اليُتم، بل كان بعض اليتامى هم القادة والسادة، والعلماء والكبراء، والوجهاء، وإن أعظمهم مكانة وأرفعهم قدرًا سيدنا رسول الله ﷺ الذي ولد يتيمًا ورباه جده ثم عمه وتولى الله حفظه، فأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجور إلى العدل، ومن الضلالة إلى الهدى.
حَسْبُ اليتيمِ سعادةً أنَّ الذي* نشرَ الهُدَى في الناسِ عاشَ يَتيمًا
ومنهم: الصحابي الجليل أَبُو هُرَيْرَةَ رضيَ اللهُ عنهُ: ورغم يتمه كان أكثرَ الصحابةِ حفظًا للحديثِ، قدمَ المدينةَ وأسلمَ، ولزمَ النبيِّ ﷺ، فصار أكثر من نقل عن رسول الله أحاديثه، فعرفه الداني والقاصي، وترك إرثًا خالدًا إلى يوم القيامة.
ومنهم: الإمامُ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ: الذي يقولُ عن نفسِهِ: رحمَهُ اللهُ: نشأتُ يتيمًا وأنا بالشامِ، فجهَّزَتْنِي أمِّي للسفرِ إلى مكةَ لطلبِ العلمِ وأنا ابنُ عَشْرِ سنينَ، ورغم ذلك كنتُ يتيمًا في حجرِ أُمِّي، ولم يكن لها ما تعطيهِ للمعلمِ، وكان المعلمُ قد رضي منِّي أنْ أخلفَهُ إذا قامَ، وأخففَ عنهُ، ويقول: حفظتُ القرآنَ وأنا ابنُ سبعِ سنينَ، وحفظتُ الموطأَ وأنا ابنُ عشرِ سنينَ" [مناقب الشافعي للبيهقي].
ومنهم: الإمامُ الأوزاعيُّ رحمَهُ اللهُ: كان يتيمًا في حجرِ أُمِّهِ، تنقُلُه مِن بلدٍ إلى بلدٍ ليتعلمَ، حتى بلغَ مِن العلمِ مبلغًا عظيمًا [صلاح البيوت لمحمد علي إمام].
ومنهم: الإمام البخاري الذي مات أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر أمه، فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل: إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردًا. وحج وعمره ثماني عشرة سنة، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنه الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ، وروى عنه خلائق وأمم [البداية والنهاية، تذكرة الحفاظ].
ومنهم: الإمامُ ابنُ الجوزِي رحمَهُ اللهُ: كان أولُ مجلسٍ يتكلمُ فيهِ ابنُ الجوزِي على المنبرِ يعِظُ الناسَ وعمرُهُ ثلاثَ عَشْرةَ سنةً، قال الحافظُ شمسُ الدينِ الذهبي: "وما علمتُ أحدًا مِن العلماءِ صنَّفَ ما صنَّفَ هذا الرجل، مات أبوهُ وله ثلاثُ سنينَ، فربَّتْهُ عمتُهُ، وأقاربُهُ" [طبقات الحفاظ].
ولله در أحمد شوقي:
ليس اليتيمُ من انتهى أبواه من ... هَمِّ الحياة وخلَّفاه ذليلا
إن اليتيمَ هو الذي تَلْقَى له ... أُمًّا تَخلَّتْ أوْ أبًا مشغولا
صورة رائعة من إكرام اليتامى:
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى السُّوقِ، فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا، وَاللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا، وَلاَ لَهُمْ زَرْعٌ وَلاَ ضَرْعٌ، وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمُ الضَّبُعُ– أي: "السَّنة المجدبة"-، وَأَنَا بِنْتُ خُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ الغِفَارِيِّ، وَقَدْ شَهِدَ أَبِي الحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَقَفَ مَعَهَا عُمَرُ وَلَمْ يَمْضِ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ غِرَارَتَيْنِ مَلَأَهُمَا طَعَامًا، وَحَمَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا، ثُمَّ نَاوَلَهَا بِخِطَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتَادِيهِ، فَلَنْ يَفْنَى حَتَّى يَأْتِيَكُمُ اللَّهُ بِخَيْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَكْثَرْتَ لَهَا؟ قَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا، قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ، ثُمَّ أَصْبَحْنَا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ». [رواه البخاري].
فاللهم كن لليتامى سندًا ونصيرًا، ووكيلًا وكفيلًا، وارحم اللهم ضعفهم، واجبر كسرهم، واكفلهم بعنايتك ورعايتك، واجعلنا من المحسنين إليهم والقائمين فيهم بالحق الواجب يا كريم، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.