مفاجأة.. كيف تجني إيران ثروة طائلة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية؟ |عاجل
مفاجأة.. كيف تجني إيران ثروة طائلة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية؟ |عاجل
في قلب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي تعصف بأسواق الطاقة العالمية، تكشف المعطيات عن مفارقة لافتة، فبينما تتكبد معظم الدول في الشرق الأوسط خسائر حادة نتيجة تعطل الإمدادات وإغلاق مضيق هرمز شبه الكامل، تبدو إيران الاستثناء الأبرز، إذ تحولت الحرب إلى فرصة اقتصادية غير متوقعة عززت من عائداتها النفطية.
فعلى الرغم من تراجع صادرات النفط الخليجية، التي وصلت نحو 15% منها عاجزًا عن الوصول إلى الأسواق العالمية، تشير تقديرات إلى أن إيران تضاعف تقريبًا إيراداتها اليومية من النفط مقارنة بما كانت عليه قبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير، وبينما قد تواجه طهران ضغوطًا عسكرية متزايدة، فإنها تحقق مكاسب واضحة في حرب الطاقة، بحسب تقرير لمجلة «الإيكونوميست».
2.4 إلى 2.8 مليون برميل نفط تصدره إيران يوميًا
تُقدر صادرات إيران الحالية بما يتراوح بين 2.4 و2.8 مليون برميل يوميًا من النفط ومشتقاته، منها نحو 1.5 إلى 1.8 مليون برميل من الخام، وهي مستويات تعادل وربما تتجاوز، متوسط صادراتها في العام الماضي، لكن بأسعار أعلى بكثير نتيجة اضطراب السوق العالمي.
وتقول «الإيكونوميست»، إن هذا الأداء لا يعود فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل إلى إعادة هيكلة عميقة لقطاع النفط الإيراني، جعلته أكثر مرونة في مواجهة العقوبات والضربات العسكرية، فقد أصبح الحرس الثوري اللاعب المركزي في إدارة العائدات النفطية، معتمدًا على شبكة معقدة من الوسطاء، والشركات الواجهة، والأنظمة المالية غير الرسمية.
النفط.. أداة سيولة نقدية في اقتصاد يعاني
ويقوم هذا النظام على ثلاثة أعمدة رئيسية، أولها المبيعات، حيث لم تعد شركة النفط الوطنية الإيرانية اللاعب الوحيد، بل توزع حصص من النفط على مؤسسات حكومية ودينية وشخصيات نافذة تقوم ببيعها بشكل غير مباشر، ما يحول النفط إلى أداة سيولة نقدية في اقتصاد يعاني نقصًا حادًا في العملات الأجنبية.
أما الركيزة الثانية فهي الشحن، إذ يفرض الحرس الثوري سيطرة شبه كاملة على حركة الناقلات، خصوصًا في مضيق هرمز، وتُدار العمليات عبر شركات خاصة مرتبطة به، بينما تستخدم أساليب متقدمة للتمويه، مثل إطفاء أجهزة التتبع، وتغيير هويات السفن، ونقل الشحنات في عرض البحر لتضليل الرقابة الدولية.
وتصل قيمة الشحنة الواحدة إلى ما بين 150 و200 مليون دولار، ما يفسر الإجراءات الأمنية المشددة، بما في ذلك مرافقة بعض الناقلات من قبل زوارق تابعة للحرس الثوري، وفرض رسوم عبور غير رسمية على بعضها.
نظام مالي يعتمد على حسابات مصرفية وهمية
الركيزة الثالثة هي المدفوعات، حيث طورت إيران نظامًا ماليًا موازيًا يعتمد على حسابات مصرفية وهمية وشبكات معقدة من الشركات الوهمية، خاصة في الصين وهونج كونج، وتُستخدم هذه الشبكات لتحويل الأموال عبر طبقات متعددة، ما يصعب تتبعها حتى من قبل الجهات الرقابية الدولية.
وتلعب الصين دورًا محوريًا في هذه المنظومة، إذ تستحوذ على أكثر من 90% من صادرات النفط الإيراني، عبر مصاف صغيرة مستقلة تُعرف بـ«أباريق الشاي» في إقليم شاندونج، ورغم أنها تبدو منفصلة عن الشركات الحكومية الكبرى، إلا أن العلاقات بينها وبين هذه الشركات أكثر تعقيدًا مما تظهره السجلات الرسمية.
وقد تقلصت الخصومات التي كانت تحصل عليها هذه المصافي على النفط الإيراني بشكل كبير مع تراجع الإمدادات الخليجية، ما جعل الخام الإيراني يباع حاليًا بأسعار تقترب من خام برنت، بل وتتجاوزه في بعض الحالات، خاصة مع ارتفاع الأسعار العالمية إلى نحو 112 دولارًا للبرميل.
شركات تدرس شراء النفط الإيراني بشكل مباشر
ورغم الضغوط على هوامش أرباح المصافي الصينية، فإن بعض الشركات الحكومية بدأت تدرس شراء النفط الإيراني بشكل مباشر، مستفيدة من تخفيف مؤقت للعقوبات الأمريكية، ما قد يضفي طابعًا أكثر رسمية على هذه التجارة.
في المقابل، أدت الضغوط الأمريكية، خاصة عبر التعاون مع الإمارات، إلى تقليص بعض القنوات المالية التقليدية لإيران، ما دفعها إلى إعادة توزيع أموالها عبر شبكات أكثر تعقيدًا، تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا.
هذا التعقيد المتزايد، الذي يشبه «طبقات الكعكة»، يجعل تتبع الأموال أكثر صعوبة، لكنه يفتح أيضًا الباب أمام الفساد الداخلي، حيث يصبح من الأسهل على بعض الفاعلين اقتطاع حصص من العائدات، بحسب «الإيكونوميست».
في المحصلة، يظهر أن آلة النفط الإيرانية باتت شديدة التكيف والمرونة، وقادرة على الاستمرار رغم الحرب والعقوبات، وبدون استهداف شامل للبنية التحتية للطاقة، وهو سيناريو يحمل مخاطر تصعيد إقليمي واسع، يبدو أن هذه المنظومة ستواصل العمل، بل وتحقيق أرباح، حتى في خضم الصراع.