حسام حسن رجل المستحيل.. أعاد تشكيل عقلية المنتخب وصنع جيلا جديدا قادرا على مناطحة الكبار

كتب: محرر

حسام حسن رجل المستحيل.. أعاد تشكيل عقلية المنتخب وصنع جيلا جديدا قادرا على مناطحة الكبار

حسام حسن رجل المستحيل.. أعاد تشكيل عقلية المنتخب وصنع جيلا جديدا قادرا على مناطحة الكبار

كتب - مصطفى عبدالجواد

في وقت كانت فيه المدرسة الأجنبية الخيار الأكثر تداولًا داخل الكرة المصرية، وبات التوجه نحو المدرب الأجنبي هو القرار الأول في أذهان المسؤولين والجماهير على حد سواء، يفرض اسم حسام حسن نفسه كاستثناء حقيقي يعيد طرح تساؤل قديم؛ هل فقدت الكرة المصرية ثقتها في المدرب الوطني، أم أن الفرصة لم تُمنح له بالشكل الكافي؟ حسام حسن، الذي يُعد أحد أعظم من ارتدوا قميص منتخب مصر عبر التاريخ، لم يكن مجرد لاعب هداف أو قائد داخل الملعب، بل كان دائمًا رمزًا للشغف والروح القتالية، وهي الصفات نفسها التي حملها معه إلى عالم التدريب، ومع توليه قيادة المنتخب الوطني، لم يدخل المشهد كمدرب يبحث عن تجربة، بل كقائد يحمل مشروعًا واضح المعالم، يستهدف إعادة بناء هوية المنتخب المصري واستعادة شخصيته التي طالما تميز بها في فترات ذهبية عائدًا بنا إلى الزمن الجميل مع محمود الجوهري وحسن شحاتة.

ما يصنعه العميد يتجاوز حدود الأرقام والإحصائيات، وما حدث أمام السعودية وإسبانيا له دلالات أعمق بكثير من كونها مجرد مواجهات تجريبية

في فبراير من عام 2024، جاءت اللحظة التي انتظرها كثيرون، بعد فترة شهدت تراجعًا ملحوظًا في النتائج والأداء لمنتخب مصر تحت قيادة مدربين أجانب لم يتمكنوا من ترك بصمة حقيقية، حينها تم إسناد المهمة إلى حسام حسن، في خطوة لم تكن مجرد تغيير فني، بل بمثابة عودة إلى الجذور، ومحاولة لإحياء روح الانتماء داخل صفوف المنتخب، ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن «العميد» لا يتعامل مع المهمة باعتبارها وظيفة، بل كقضية شخصية يسعى من خلالها لإثبات أن المدرب المصري قادر على النجاح حين تتوفر له الثقة والدعم.

أسبوعًا استثنائيًا عاشته الجماهير المصرية، أعاد إليها قدرًا كبيرًا من الأمل والثقة. صحيح أن المباريات جاءت في إطار ودي، لكن الأداء والنتائج حملا دلالات أعمق بكثير من كونها مجرد مواجهات تجريبية، البداية كانت بانتصار كبير على منتخب السعودية برباعية نظيفة على أرضه ووسط جماهيره، وهو فوز عكس جرأة واضحة في الأسلوب الهجومي وقدرة على فرض الشخصية خارج الديار، ورغم أن البعض حاول التقليل من قيمة هذا الانتصار بالإشارة إلى تراجع مستوى المنافس، فإن الرد جاء سريعًا في اختبار أكثر صعوبة وتعقيدًا أمام المنتخب المصنف الأول عالميًا.

أمام الماتادور الإسباني، قدم منتخب مصر بقيادة حسام حسن واحدة من أكثر مبارياته انضباطًا في السنوات الأخيرة، بعدما نجح في فرض التعادل السلبي على ملعب المنافس ووسط جماهيره، في مواجهة أظهرت تنظيمًا دفاعيًا محكمًا وقدرة كبيرة على قراءة المباراة والتعامل مع تفاصيلها الدقيقة، هذا التعادل لم يكن مجرد نتيجة إيجابية، بل كان بمثابة إعلان صريح بأن منتخب مصر قادر على العودة إلى المنافسة الحقيقية أمام كبار المنتخبات، وأن ما يحدث ليس مصادفة، بل نتيجة عمل فني واضح.

قفزة عالمية تعكس الواقع

تلك النتائج انعكست بشكل مباشر على التصنيف العالمي، حيث تقدم المنتخب من المركز 31 إلى 29، وهي قفزة قد تبدو محدودة رقميًا، لكنها تحمل دلالة كبيرة على أن المنتخب يسير في الاتجاه الصحيح، ومع اقتراب كأس العالم 2026، بدأ الحديث يتصاعد حول طموحات المنتخب، خاصة في ظل التصريحات التي تؤكد أن الهدف لن يكون مجرد الظهور المشرف، بل المنافسة على تحقيق إنجاز يعيد الفراعنة إلى مكانتهم الطبيعية.

سلسلة من النتائج الإيجابية

وعند النظر إلى مسيرة المنتخب تحت قيادة حسام حسن بشكل أشمل، نجد أن ما تحقق لا يقتصر على مباراتين وديتين فقط، بل هو امتداد لسلسلة من النتائج الإيجابية، ففي كأس الأمم الأفريقية، تمكن المنتخب من الوصول إلى الدور نصف النهائي، قبل أن يتوقف أمام منتخب السنغال، أحد أقوى منتخبات القارة، في مباراة خرج منها الفريق مرفوع الرأس بعد أداء قوي أكد قدرته على مقارعة الكبار، هذه التجربة، رغم نهايتها، كانت محطة مهمة في بناء شخصية الفريق ومنحه الثقة اللازمة للمنافسة.

في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، قدم المنتخب أداءً يتسم بالثبات والاستقرار، حيث نجح في التأهل دون أن يتعرض لأي خسارة، متصدرًا مجموعته بفارق 5 نقاط كاملة، وهو فارق يعكس تفوقًا واضحًا على المنافسين ويؤكد أن الفريق بات يمتلك هوية فنية واضحة، هذا الأداء لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة عمل متواصل وتركيز على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في مثل هذه المنافسات.

استقرار فني واضح

عند التوقف أمام لغة الأرقام، نجد أنها تعكس بشكل كبير حجم التطور الذي شهده المنتخب، فمنذ تولي حسام حسن المسؤولية، خاض المنتخب 28 مباراة في مختلف البطولات، تمكن خلالها من تحقيق 17 انتصارًا، مقابل 7 تعادلات، بينما لم يتعرض سوى لـ4 هزائم فقط، هذه الحصيلة تشير إلى أن المنتخب يحقق نتائج مميزة ومستقرة، مع نسبة خسائر محدودة للغاية، وهو ما يعكس استقرارًا فنيًا واضحًا.

ولم يتوقف الأمر عند النتائج فقط، بل امتد إلى الأداء الهجومي والدفاعي، حيث سجل لاعبو المنتخب 43 هدفًا، وهو رقم يعكس فاعلية كبيرة في الثلث الأخير وقدرة على ترجمة الفرص إلى أهداف، في الوقت الذي استقبلت فيه الشباك 17 هدفًا فقط، ما يدل على صلابة دفاعية وتنظيم جيد في الخط الخلفي، هذا التوازن بين الهجوم والدفاع يُعد أحد أبرز ملامح المنتخب في هذه المرحلة، ويؤكد أن العمل لا يركز على جانب واحد فقط، بل يسعى لبناء منظومة متكاملة.

شخصية أكثر وضوحًا

الأهم من كل ذلك أن ما يقدمه حسام حسن يتجاوز حدود الأرقام والإحصائيات، ليصل إلى إعادة تشكيل عقلية المنتخب، فمنتخب الفراعنة بات يلعب بشخصية أكثر وضوحًا، ويُظهر رغبة حقيقية في الفوز، مع روح قتالية تعكس تاريخ الكرة المصرية، كما أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط، سواء داخل المباريات أو خارجها، وهو ما كان يفتقده في فترات سابقة.

إعادة الاعتبار لفكرة المدرب الوطني

في ظل هذه المعطيات، تبدو تجربة حسام حسن كأنها محاولة جادة لإعادة الاعتبار لفكرة المدرب الوطني، ليس من باب العاطفة، بل تأتي استنادًا إلى نتائج وأداء ملموس، فالقضية لم تعد تتعلق بجنسية المدرب، بل بمدى قدرته على فهم طبيعة اللاعب المصري، واستثمار إمكانياته بالشكل الأمثل.

على أعتاب كتابة فصل جديد

وبين تاريخ حافل كلاعب، وطموح كبير كمدرب، يقف حسام حسن اليوم على أعتاب كتابة فصل جديد في مسيرته، قد يكون الأهم والأكثر تأثيرًا، ومع استمرار هذا النسق التصاعدي في الأداء والنتائج، تتزايد آمال الجماهير في أن يكون ما يحدث الآن مجرد بداية لمرحلة أكثر إشراقًا، تعيد منتخب مصر إلى مكانه الطبيعي بين كبار القارة والعالم، وتؤكد أن «العميد» لم يفقد قدرته على صناعة التاريخ، بل ربما يستعد لكتابته من جديد، ولكن هذه المرة من على الخطوط الفنية.


مواضيع متعلقة