إجرام يدعم إجراما!
ظهر الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ليعلن للعالم، بدم أبرد من الثلج نفسه، أن بلاده «تحترم حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها وعقوباتها».
أمريكا، الدولة التي تدَّعي أنها «منارة الديمقراطية وحقوق الإنسان»، تبارك قانوناً يسمح بإعدام الفلسطينيين بتهم «الإرهاب، وكأنها تمنح صديقها «الصهيوني» الذي يُمسك بسكين ملطخة بالدماء، شهادة حسن سلوك.
هذه هي الحقيقة المريعة التي يعيشها عالمنا اليوم، وفيما أعربت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا -وهي دول لا تشتهر عادة بأنها «نوادي حقوق الإنسان»- عن «قلقها العميق» وتحذر من أن الخطوة «تخاطر بتقويض التزامات إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية»، تأتي أمريكا لتقول: «نحن معكم يا إسرائيل، دم الفلسطينيين رخيص، وسيادتكم فوق كل اعتبار».
ويبقى قلق أوروبا العميق مجرد عبارة جميلة، لكنها، للأسف، لا توقف حبل المشنقة حين يشد المحتل الإسرائيلي حينما يشاء ويرغب.
وبلا حياء أضاف الناطق الأمريكي قائلاً: «نحن على ثقة بأن أي إجراء مماثل سينفَّذ في ظل محاكمة عادلة»، ولم يسأل نفسه: أي «محاكمة عادلة» هذه في نظام قضائي عسكري يُصنف الفلسطيني إرهابياً حتى قبل أن يرتكب أي شيء، وأمام محاكم لا تتورع عن احتجاز الأطفال، ومحاكمة القُصَّر كبالغين، واستخدام التعذيب كوسيلة للاستجواب؟
لنقرأ النص الإسرائيلي الجديد بانتباه: يُعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد كل شخص «يتسبب عمداً في وفاة شخص آخر بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم إسرائيلي».
ونستكمل النص: عقوبة الإعدام هي العقوبة الافتراضية إذا صنَّفت المحاكم العسكرية الجريمة على أنها «عمل إرهابي».
والأدهى أن القانون لا يمكن تطبيقه أبداً على إسرائيلي يقتل فلسطينياً، لأنه ببساطة، في منطق الاحتلال، القاتل الإسرائيلي «يدافع عن نفسه»، والمقاوم الفلسطيني «إرهابي».
أي عدالة تلك التي تبدأ من قانون غير متكافئ أصلاً؟ وأي نزاهة يمكن أن تنتجها محاكم عسكرية تعمل داخل منظومة احتلال؟
يبدو أن تعريف «المحاكمة العادلة» أصبح، بدوره، مرناً بما يكفي ليتناسب مع أي واقع سياسي يريده الكيان الصهيوني.
إسرائيل وحليفتها الأمريكية تعيشان في كوكب آخر، كوكب لا توجد فيه اتفاقيات جنيف. تلك الاتفاقيات التي تحدد بوضوح أن الأسرى أشخاص «خارج دائرة القتال»، فاقدو السلاح، لهم الحق في الحياة بكرامة، ولا يجوز تعذيبهم أو إهانتهم، ولا يجوز إعدامهم دون محاكمة عادلة تستوفي كافة الضمانات.
لكن من يحتاج إلى اتفاقيات جنيف أمام هذا المشهد المخزي، أمريكا تبارك، وإسرائيل تشرِّع، وأوروبا تعبِّر عن «قلقها العميق»، وهو ما يعني في قاموس الدبلوماسية: «نحن ضد ذلك بشدة، لكننا لن نفعل شيئاً سوى كتابة بيان ننساه نحن والعالم بعد أقل من أسبوع».
في وسائل الإعلام الغربية المخادعة خرج من يقول: إن القانون ليس «إعدام أسرى»، بل تشريع يفتح الباب لعقوبة الإعدام في حالات محددة!
وهذا صحيح شكلاً، لكنه كاذب مضموناً، فالخطورة الحقيقية ليست فقط في عقوبة الإعدام نفسها، بل في تقنينها وتحويلها إلى خيار مشروع في يد المحتل.
إسرائيل لم تخترع بهذا التشريع عقوبة الإعدام، لكنها اخترعت فكرة «القتل القانوني»، وتحاول أن تُلبس جرائمها ثوب القانون، لتتحول من دولة عُرضة للانتقاد على جرائمها، إلى دولة «تمارس حقها السيادي».
قد لا يكون هناك إعدام جماعي فوري، كما يحرص البعض على التوضيح، لكن الأخطر هو أن الطريق إليه أصبح معبَّداً بالقانون، ومحروساً بالتصريحات، ومغطّى بعبارات منمَّقة عن السيادة والعدالة.
وفي عالم كهذا، لم يعد السؤال: هل سيحدث الإعدام؟ بل: متى، وتحت أي مسمى جديد؟.
الخطر الحقيقي هنا هو التقنين: أن يصبح ما كان يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، مجرد بند في قانون، يُفعَّل عند الحاجة.
أن تتحول حياة البشر إلى مسألة تقدير قانوني، بلا قيمة إنسانية، وأن يعاد تعريف العدالة بحيث تتسع لتشمل التمييز، بل وتبرره.
وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة الأمريكية كمن لا يكتفي بالصمت، بل يضفي شرعية أخلاقية على المشهد. فهي لا تقول فقط «هذا شأن داخلي»، بل تضيف إليه ختم الثقة: «نحن على ثقة».
ثقة في ماذا؟ في نظام قانوني غير متكافئ؟ في محاكم عسكرية؟ أم في قدرة اللغة الدبلوماسية على تجميل ما لا يمكن تجميله؟
كأننا أمام لص يسرق بيتاً ثم يخادع الجميع ويقول: «أنا أحترم حق المالك في ممتلكاته، لكنني قررت أن هذه الممتلكات أصبحت لي»، الفارق هنا أن اللص لا يجد من يدعمه، بينما تجد إسرائيل الصديق الأمريكي يشاركها الجريمة، ليس بالتواطؤ فقط، ولكنه يصفق لها بحرارة.
إذا خطر على بال أي طبعاً حر في العالم السؤال: كيف لدولة «عظمى» تدَّعي القيادة الأخلاقية للعالم أن تبارك قانوناً عنصرياً بكل هذا الوضوح؟
الجواب بسيط: لأن «النظام القائم على القواعد» الذي تتحدث عنه أمريكا لا يشمل إلا من تريد هي شموله.
إسرائيل حليف، وحلفاء أمريكا لهم «سيادة» مطلقة حتى لو قتلوا الأسرى في السجون، أما خصوم أمريكا، فحتى لو قاوموا المحتل، ودافعوا عن أرضهم، وحقهم في الحياة فهم «مجرمون وإرهابيون».
عبارة «إجرام يدعم إجراماً» لم تكن يوماً أكثر دقة منها اليوم، فالولايات المتحدة، بقرارها هذا، لا تحترم حق إسرائيل في السيادة، بل تحترم حقها هي نفسها في أن تكون شريكة في كل جريمة يرتكبها الاحتلال.
وإذا كان هناك من يسأل عن الضحايا، فليذهب ويسأل أطفال غزة وأسرى الضفة الغربية الذين ينتظرون تلك «المحاكمة العادلة» التي وعدتهم بها أمريكا. ربما ينتظرون طويلاً.