متعلق في «قشاية»

أمجد مصطفى

أمجد مصطفى

كاتب صحفي

قادتني الظروف إلى أحد مستشفيات العيون الخاصة في مصر الجديدة، لا مرة واحدة، بل مرات متتالية، وكأن القدر أراد أن أرى ما وراء الجدران البيضاء، لا كطبيب ولا كمريض، بل كشاهد على حكايات إنسانية تختبئ في صمت الانتظار.

هناك، في صالون صغير، بالكاد يتسع للحضور، تتداخل الهمسات حتى تصبح أصواتاً واضحة، لا تستطيع أن تتجاهلها حتى لو أردت.

الجميع يجلس، لكن لا أحد في حالة سكون حقيقي؛ القلق يتحرك بين الوجوه، والخوف يطل من العيون التي جاءت تبحث عن الشفاء.

الحديث واحد، وإن اختلفت التفاصيل: رحلة طويلة مع المرض، وزيارات متكررة، وتجارب متباينة مع أطباء مختلفين.

هذا يروي كيف أجرى جراحة في القرنية أكثر من مرة، وكأن عينه أصبحت ساحة تجارب بين أمل يتجدد وخيبة تتكرر.

وآخر تائه بين التأمين الصحي وإجراءات المستشفى، يدور في دائرة مفرغة من الروتين القاتل، حتى بات يشعر أن المرض أهون من رحلة العلاج نفسها.

وفي زاوية أخرى، يجلس رجل حائر، لا يعرف أي طبيب يختار، حتى يتدخل مريض مثله، يتحول فجأة إلى خبير، ينصحه بترك هذا الطبيب والذهاب إلى آخر: «أشطر في حالتك»، كما يقول، وهو بالمناسبة موجود في نفس المستشفى، مشهد يتكرر كثيراً، حيث تتحول المعاناة المشتركة إلى مصدر للنصيحة، وربما للنجاة.

لكن أكثر ما يوجع، ليس المرض ذاته، بل ما يحيط به، مريض يشكو من قسوة طبيب، من كلمة جارحة أو معاملة جافة، وكأن الألم الجسدي لا يكفيه، وآخر يجلس صامتاً، يخشى إجراء جراحة للمرة الثانية، بعد تجربة لم تترك في نفسه سوى الخوف.

وجوه جاءت من الأقاليم، قطعت مئات الكيلومترات، تحمل في عيونها تعب الطريق، وفي قلوبها رجاء بسيط: أن ترى النور بوضوح من جديد، هؤلاء لا يملكون رفاهية الاختيار، بل يتمسكون بأي فرصة، بأي اسم، بأي أمل.

وسط كل هذا، يتكرر مشهد واحد: بشر مختلفون، يجمعهم خيط رفيع من الرجاء، الكل، بلا استثناء، متعلق في «قشاية» كما يقول المثل، قشة قد تكون طبيباً، أو دواءً، أو حتى كلمة طمأنينة.

ورغم قسوة المشهد، يبقى هناك شيء لا ينكسر، ذلك الإيمان الصامت الذي يسكن القلوب، بأن الشفاء بيد الله، وأن كل هذه الرحلة، بكل ما فيها من تعب وحيرة، ليست سوى طريق نحو لحظة فرج منتظرة.

في تلك القاعة الصغيرة، لا ترى مجرد مرضى، بل ترى إنساناً في أضعف حالاته، وأصدقها، ترى الخوف عارياً، والأمل نقياً، والدعاء حاضراً في كل نفس.

وهنا، تدرك أن الحكاية ليست عن العيون فقط، بل عن البصيرة.. عن قدرة الإنسان على التمسك بالأمل، حتى لو لم يكن في يده سوى «قشاية».