الطريق إلى إعادة إعمار القطاع الطبي في غزة.. البداية من الإنسان
الطريق إلى إعادة إعمار القطاع الطبي في غزة.. البداية من الإنسان
لم يعد النظام الصحي في قطاع غزة يعاني من أزمة، بل يقترب من حالة الدمار الكامل، فبعد أكثر من عامين من الحرب والحصار، تحولت المستشفيات من مؤسسات علاجية إلى مرافق طوارئ محدودة القدرة، بعضها تم تدميره بالكامل، وآخر دُمر بشكل جزئي، مع نقص الوقود واستنزاف غير مسبوق في الطواقم البشرية.
وفق تقديرات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، تعرض نحو 94% من مستشفيات غزة لأضرار جسيمة أو دمار كامل، ومن أصل 36 مستشفى كانت تعمل قبل الحرب، لا يعمل اليوم سوى عدد محدود بشكل جزئي، وغالباً من دون القدرة على تقديم خدمات تخصصية أو مستدامة.
دمار هائل في القطاع الطبي بغزة
الدمار لم يقتصر على المباني، بل طال غرف العمليات، أقسام العناية المركزة، أجهزة الأشعة والتشخيص، ومرافق المياه والصرف الصحي، إلى جانب ذلك، خرج عدد كبير من مراكز الرعاية الصحية الأولية عن الخدمة، ما قطع خط الدفاع الأول أمام الأمراض المعدية والمزمنة، ورفع الضغط على المستشفيات المتبقية.
وتشير بيانات أممية وحقوقية إلى استشهاد أكثر من ألف من أفراد الطواقم الطبية منذ أكتوبر 2023، بينهم أطباء وممرضون ومسعفون، كما وثقت منظمات دولية مئات الهجمات على مرافق صحية وسيارات إسعاف، كثير منها وقع أثناء تأدية العاملين لواجبهم.
السؤال الأبرز.. كيف يمكن إعادة بناء الإنسان الفلسطيني نفسه؟
من بين ركام المستشفيات المدمَّرة في غزة، لا يرى البروفيسور عز الدين أبوالعيش، الطبيب الفلسطيني الكندي وأستاذ الصحة العامة المشارك بجامعة تورونتو، أن السؤال العاجل هو عدد الأسرة أو الأجهزة الطبية التى يجب استبدالها، بل شىء أعمق بكثير، كيف يمكن إعادة بناء الإنسان الفلسطينى نفسه، قبل النظام الصحى الذى يخدمه؟. «أبوالعيش» يقدم رؤية تتجاوز الإعمار التقنى إلى إعادة تعريف مفهوم الصحة فى سياق الدمار الشامل، فبرأيه، ما تعرض له القطاع الصحى فى غزة ليس انهياراً بنيوياً فحسب، بل تهديد وجودى ممتد للنظام الحياتى بأكمله.
يقول أبو العيش، لـ«الوطن»، إن الصحة ليست خدمة طبية تُقدم، بل هى جزء لا يتجزأ من منظومة الحياة، معتبراً أن أى محاولة لإعادة بناء المستشفيات فى بيئة يسودها الخوف والحرمان وعدم الاستقرار محكومة بالفشل. وفق رؤية «أبوالعيش»، لا يمكن فصل النظام الصحى عن محيطه السياسى والاجتماعى، مشيراً إلى أن الإنسان لا يمكن علاجه فى ظل غياب الأمن الإنسانى، والأمن من القصف، ومن التهجير، ومن الجوع، ومن فقدان الكرامة.

المحددات الأساسية لصحة الإنسان.. تبدأ من البيئة
ويضيف أن هذا التحول من مفهوم الرعاية الصحية إلى مفهوم الصحة يعنى أن المحددات الأساسية لصحة الإنسان لا تبدأ داخل المستشفى، بل فى البيئة التى يعيش فيها، حيث السكن، والغذاء، والتعليم، والاستقرار النفسى، وسيادة القانون. يحذر من أن إعادة الإعمار، إذا جرت دون معالجة هذه الجذور، لن تكون أكثر من إسعاف مؤقت لجسد ينزف باستمرار.
الحصار الممتد، ثم الحرب، خلقا، بحسب «أبوالعيش»، عبئاً صحياً غير مسبوق، حيث ارتفاع فى الأمراض المزمنة، وزيادة معدلات السرطان، وانتشار الإعاقات الدائمة، وانهيار شبه كامل للصحة النفسية. يشير إلى أن نحو 20 ألف طفل فلسطينى أصبحوا أيتاماً خلال عامين فقط، فى مجتمع كان أصلاً يعانى قبل الحرب من نسب مرتفعة من الاضطرابات النفسية بين الأطفال، إذا كان 4 من كل 5 أطفال يعانون نفسياً قبل الحرب.
ويؤكد أن إعادة إعمار القطاع الطبى والصحى فى غزة يجب أن يأخذ فى الاعتبار العدالة قبل العلاج، والكرامة قبل الدواء، والسلامة قبل المستشفى، والرعاية قبل المسكنات، يضيف: «الإنسان، فى نظره، ليس حالة طبية، بل القيمة الأعلى التى يجب أن ينطلق منها أى نظام صحى، ومن دون مساءلة ومحاسبة تمنع تكرار العنف، ستبقى كل خطط الإعمار معرضة للانهيار».
لا يرى «أبوالعيش» أن ما جرى فى غزة شأن فلسطينى داخلى، بل يعتبره اختباراً قاسياً للنظام العالمى نفسه، شبيهاً، بل أشد قسوة، بما كشفته جائحة كورونا: «غزة عرّت هشاشة القانون الدولى، والإبادة والدمار لم يكونا كوارث طبيعية، بل أفعال بشرية، ما يعنى أن إعادة البناء مسئولية بشرية وأخلاقية أيضاً».
من هذا المنطلق، تصبح إعادة إعمار القطاع الصحى مشروطة بإعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وبمبادئ الشفافية والتعاون والمحاسبة. وبحسب الطبيب الفلسطينى الكندى، فإعادة بناء المستشفيات، لن تنجح دون معالجة الصدمة النفسية العميقة التى يعانى منها المرضى والطواقم الطبية على حد سواء، فكثير من الأطباء والممرضين فقدوا عائلاتهم، وعملوا تحت القصف، ويعانون اليوم من احتراق نفسى حاد. وهذا يستدعى برامج إعادة تأهيل شاملة، لا كملحق إنسانى، بل كجزء أساسى من أى نظام صحى قابل للاستمرار.
تعاون بين مصر و«الصحة العالمية» ودول عربية وإسلامية.. ركيزة أساسية لإعادة البناء
ويخص «أبوالعيش» مصر بدور محورى، انطلاقاً من الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية، وبالدور المصرى المستمر فى دعم القضية الفلسطينية، ويرى أن التعاون بين مصر، ومنظمة الصحة العالمية، والدول العربية والإسلامية، يمكن أن يشكل ركيزة لإعادة بناء رأس المال البشرى فى غزة، وهو ما يعتبره جوهر أى نهضة مستقبلية.
وفى رؤيته المستقبلية، يؤكد أن النظام الصحى فى غزة يجب أن يُبنى على أساس الواقع الجديد، حيث مجتمع مثقل بالإعاقات، والأمراض المزمنة، والتلوث طويل الأمد، وصدمات نفسية جماعية، مؤكداً أن إعادة الإعمار فى القطاع لا تعنى المستشفيات وحدها، بل تخطيط المدن، والبنية التحتية، ودمج ذوى الإعاقة، وبناء بيئة تضمن حياة كريمة وآمنة.
يختصر «أبوالعيش» رؤيته بالقول: «لا شىء مستحيل، كما استطاع هذا العالم أن يدمر، يستطيع أن يبنى»، مؤكداً أن الشعب الفلسطينى قادر على خلق الحياة من الموت، والنهوض من تحت الأنقاض، لأنه يؤمن بعدالة قضيته، وبحقه فى حياة تستحق أن تُعاش، كغيره من شعوب الأرض.