كيف يمكن إعادة بناء غزة مستدامة سياسيا؟ القطاع يحتاج لـ3 تحولات كبرى أساسية
كيف يمكن إعادة بناء غزة مستدامة سياسيا؟ القطاع يحتاج لـ3 تحولات كبرى أساسية
- غزة
- إعادة إعمار قطاع غزة
- الدمار في مستشفيات غزة
- الدولة الفلسطينية
- السلطة الفلسطينية
- الإعمار السياسي
- قطاع غزة
- الاحتلال الإسرائيلي
بعد أكثر من عامين على اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، لا يزال المشهد السياسي في القطاع يتأرجح بين فرص بطيئة للتهدئة، وإعادة بناء، والنزاع المستمر، في وقت تبدو فيه السيادة على الأراضي والقرار السياسي بين أيدي أطراف متعددة، لا أحد منها يحظى بالسيطرة الكاملة.
في أواخر 2025، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار وخطة سلام شاملة مبنية على 20 نقطة، تهدف إلى نزع السلاح، تأسيس حكم تكنوقراطي وإعادة إعمار غزة.
وفي حين يحاول المجتمع الدولي إعادة هيكلة الحكم عبر لجنة تكنوقراطية وخطة سلام موسعة بقيادة الولايات المتحدة، يبقى الواقع معقداً بسبب استمرار السيطرة الحزبية التقليدية، وعدم الاتفاق على دور السلطة الفلسطينية، والتحديات الأمنية المستمرة، وسيطرة حماس على القطاع. على المستوى الداخلي الفلسطيني، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية عن جدول للانتخابات المحلية في الضفة الغربية وقطاع غزة في 25 أبريل 2026، تشمل انتخاب أعضاء مجالس بلدية في أكثر من 4000 موقع، هذه الانتخابات قد تمثل فرصة لتعزيز مشاركة مدنية أوسع وتخفيف الاحتكار السياسي لحركة واحدة، لكن نجاح هذه العملية مرتبط بمدى قدرة المؤسسات الانتخابية على العمل في بيئة أمنية غير مستقرة، حيث وقف إطلاق النار هش وتكررت فيه الانتهاكات العسكرية، ما يزيد من احتمال تأجيل أو تعطيل العملية الانتخابية.
الإعمار يبدأ من معالجة الإطار السياسي الحاكم
يرى البروفيسور ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، والمستشار السابق في لجنة صياغة الدستور الفلسطيني، أن الحديث عن إعادة إعمار غزة دون معالجة الإطار السياسي الحاكم لها ليس سوى وصفة لإدامة الأزمة، لا الخروج منها.
ويستبعد «براون» أن يُفضي مقترح مجلس السلام إلى قيام كيان سياسي حقيقي في غزة، موضحاً أن الدولة إذا عُرّفت باعتبارها كياناً ذا سيادة، ليست مطروحة على الطاولة، ويضيف أن أقصى ما يمكن تصوره هو شكل محدود من الإشراف الإداري على أجزاء قد تنسحب منها إسرائيل، وحتى هذا السيناريو يظل محفوفاً بالشكوك.
حركة حماس.. ليست العقبة الوحيدة
وحول قدرة غزة على إدارة شؤونها بمعزل عن السلطة الفلسطينية، يشدد على أن القطاع عاش بالفعل حالة حكم ذاتي منفصلة عن رام الله منذ عام 2007، لكن الواقع الحالي أكثر تعقيداً، فإسرائيل تحتل أجزاء واسعة من غزة، وتتحكم في حركة البضائع والأفراد، فيما جرى تدمير معظم البنية التحتية.
ويؤكد أن الجدل حول دور حركة «حماس» يمثل عقبة حقيقية، لكنه ليس العقبة الوحيدة أمام أي صيغة حكم قابلة للحياة. أما السيناريو الأرجح لمستقبل غزة السياسي، فلا يخفي «براون» تشاؤمه، يقول: «أخشى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو ما أسميه البؤس الأبدي، إعادة إعمار محدودة للمساكن والبنية التحتية، بعض المساعدات الإنسانية، وقليل جداً من التغيير السياسي».
الإدارة الدولية لغزة.. حلولا مؤقتة
وفي تقييمه لأفكار الإدارة الدولية أو العربية لقطاع غزة، يوضح «براون» أنها طُرحت بوصفها حلولاً مؤقتة، لكنها تصطدم بواقع مؤسساتي قائم منذ عقود، فغزة، كما يقول، تضم جهازاً إدارياً، ومحاكم، وبلديات، ومدارس، يعود تاريخ بعضها إلى العهد العثماني، مشيراً إلى أن إخضاع هذه البُنى لإشراف دولي أو عربي خطوة انتقالية منطقية، لكن ذلك يحمل مشكلتين أساسيتين، أولاً، تحويل غزة إلى كيان خاضع لوصاية متعددة الأطراف، وثانياً، احتمال أن تعرقل إسرائيل هذه الجهود، كما فعلت مع مؤسسات أممية محورية مثل «الأونروا»، وفيما يتعلق بإمكانية عودة السلطة الفلسطينية لتكون أساس الحكم في غزة، يحدد براون ثلاث فجوات حاسمة، وهي غياب الوجود الميداني، ضعف الدعم الدولي الفعّال، وانعدام الشرعية الداخلية.
العقبة الأكبر أمام بناء غزة مستدامة سياسياً
ويعتبر أن العقبة الأكبر أمام بناء غزة مستدامة سياسياً تكمن في غياب التوافق بين اللاعبين الرئيسيين، الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وإسرائيل، والسلطة الفلسطينية، والدول العربية، وحماس. ولا يرى «براون» فرصاً قريبة لقيام حكم مستقر وفعّال في غزة، مشيراً إلى أن ذلك يتطلب ثلاثة تحولات كبرى لا تبدو وشيكة، حيث قيادة إسرائيلية مختلفة، وإدارة أمريكية مختلفة، ومصالحة فلسطينية داخلية.
وحين سألناه عما سيفعله لو كان في موقع صاحب قرار معني بإعادة الإعمار السياسي في غزة، لم يبدأ ناثان براون بوصفة سياسية أو خريطة طريق جاهزة، بل بإجابة صادمة في بساطتها: «سأبكى»، ويضيف بنبرة تجمع بين التحليل والألم: «علينا أولاً أن نتوقف ونتأمل بجدية ما جلبه العام ونصف العام الماضيان»، لكن «براون» لا يفصل تلك اللحظة عن سياقها الأوسع، مؤكداً أن ما سبق ذلك التاريخ يستحق الإدانة هو الآخر مع مغامرة حماس غير محسوبة العواقب، وشدد على أن حجم القتل والدمار الذي شهدته غزة منذ السابع من أكتوبر ليس له أي مبرر.
وبرأيه، فإن هذا العنف المتراكم أغلق معظم الأبواب السياسية، ولم يترك سوى هامش ضيق للغاية لأي تحرك فعال، ويقول: «لم يتبق سوى عدد قليل جداً من الخيارات بعد كل هذا العنف، وأي مسار دبلوماسي جاد يجب أن يبدأ أولاً بمساعدة الضحايا»، غير أن هذه المساعدة، كما يوضح، لا يمكن اختزالها في شحنات إغاثة أو مساعدات إنسانية عاجلة: «القضية ليست مجرد توفير الغذاء والدواء»، يقول براون: «بل إعادة بناء مجتمع تعرّض لصدمة عميقة، مجتمع محطم نفسياً قبل أن يكون مدمراً مادياً».
ويوجه «براون» رسالة قاسية لكنها مباشرة، إلى صناع القرار الدوليين، يقول: «أنتم بحاجة إلى صياغة رؤية واضحة لمستقبل عادل لجميع الشعوب، ثم السعي لتحقيقها بإرادة حقيقية وآليات إنفاذ فعلية، لا الاكتفاء بقرارات ورقية وخطابات إنشائية». أما صناع القرار الفلسطينيون، فيراهم محاصرين بهوامش ضيقة للغاية، بل غير قادرين فعلياً على اتخاذ قرارات سيادية، ومع ذلك يؤكد أن ما يمكنهم فعله، إن كان هناك ما يمكن فعله، هو التوحد حول رؤية واضحة لمستقبل عادل يضمن الكرامة والرفاه لكل من يعيش على أرض فلسطين.