مدير أبحاث «تمويل التنمية»: الاندماج في التجارة العالمية سبيل غزة لنهضة اقتصادية حقيقية
مدير أبحاث «تمويل التنمية»: الاندماج في التجارة العالمية سبيل غزة لنهضة اقتصادية حقيقية
- غزة
- إعادة إعمار قطاع غزة
- الدمار في مستشفيات غزة
- السلطة الفلسطينية
- قطاع غزة
- الاحتلال الإسرائيلي
- البنية التحتية في غزة
- الاقتصاد في غزة
- اقتصاد غزة
لم يكن الانهيار الذي ضرب اقتصاد قطاع غزة حدثاً دورياً أو أزمة عابرة، بل شكّل صدمة تنموية غير مسبوقة أعادت «غزة» عقوداً طويلة إلى الوراء.
وفي ظل حرب مدمرة لأكثر من عامين، سجل الناتج المحلي الإجمالي انكماشاً حاداً بنسبة 83% خلال عام 2024، تبعته خسارة إضافية بلغت 7.8% في عام 2025، وهو ما يعكس انهياراً شبه كامل في القدرة الإنتاجية، وانقطاعاً فعلياً لمسار النمو الاقتصادي.
يقول إسحاق ديوان، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت ومدير الأبحاث في مختبر تمويل التنمية، إن المشكلة الاقتصادية في «غزة» لا تبدأ اليوم، ولا يمكن اختزالها في الدمار الذي خلفته الحرب الأخيرة، فـ«غزة»، بحسب توصيفه، مكان صغير لا يمكنه أن يكون مكتفياً ذاتياً، إذ لا بد لأي كيان بهذا الحجم والكثافة السكانية أن يعتمد على التصدير لتمويل وارداته الأساسية من الغذاء والطاقة والمواد الخام.
في السنوات الأولى من الاحتلال الإسرائيلي، كان قطاع غزة يصدر شيئاً واحداً أساسياً، وهو العمالة: «آلاف العمال الفلسطينيين عملوا داخل إسرائيل، ما وفر شريان دخل حيوي للاقتصاد المحلي، لكن حين بدأت إسرائيل تنظر إلى هذا الاعتماد المتبادل بوصفه تهديداً أمنياً، تغيّر النموذج».
يوضح «ديوان» أنه جرت محاولات لاحقة لإنشاء صناعات إسرائيلية كثيفة العمالة على أطراف «غزة»، بحيث تُستوعب العمالة الفلسطينية دون الحاجة إلى دخولها العمق الإسرائيلي، غير أن هذه التجربة لم تعمر طويلاً، فصعوبة التحكم في مدخلات الإنتاج، وتصاعد التوترات الأمنية، أدّيا إلى انهيار هذه الصناعات خلال الانتفاضتين الأولى والثانية.
ومع تصاعد العنف، أُغلق مطار غزة، ثم موانئها، ما وجّه ضربة قاصمة لقطاع الصيد البحري، أحد آخر مصادر الدخل المستقلة: «لم يتبق لغزة سوى المساعدات الخارجية وقليل من الزراعة».
الاندماج في التجارة العالمية.. سبيل غزة لامتلاك اقتصاد حقيقي
من وجهة نظر «ديوان»، لا يمكن لـ«غزة» أن تمتلك اقتصاداً حقيقياً من دون الاندماج في التجارة العالمية، مشيراً إلى أن المشكلة الجوهرية اليوم أن قطاع غزة عالق في منطقة رمادية، فهو ليس جزءاً من إسرائيل، ولا منفصلاً عنها بالكامل، وهذا الوضع يقتل أي إمكانية للتخطيط الاقتصادي أو جذب الاستثمار.
ويرى أن بعض التيارات السياسية في الولايات المتحدة، خصوصاً المحسوبة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنظر إلى «غزة» من زاوية مختلفة تماماً، فبالنسبة لهم، يقول «ديوان»، الميزة الأساسية لغزة هي شاطئها الرملي، ومن هنا تنشأ فانتازيا تحويلها إلى ريفييرا سياحية عالمية.
غياب تسوية سياسة.. تظل غزة سجنًا لا اقتصادًا
لكن هذه الرؤية، بحسب الخبير الاقتصادي اللبناني، تتجاهل الواقع الاجتماعي والسياسي: «لا يمكنك جذب السياح بينما السكان غاضبون وغير راضون، ولا يمكنك فتح الحدود، حتى مع مصر، إذا كنت تخشى إعادة تسليح حماس»، ومؤكداً أنه في ظل غياب تسوية سياسية، تظل غزة، على حد تعبيره، سجناً، لا اقتصاداً.
وعن الخطوات العملية الممكنة لإنعاش الاقتصاد في ظل القيود الحالية، يطرح «ديوان» إجراءات محدودة لكنها جوهرية، وهي فتح الحدود مع مصر أمام التجارة بسياسات أمنية منخفضة التكلفة، إعادة فتح البحر أمام الصيادين، وانسحاب إسرائيل من الأراضي الزراعية التي ما زالت تقيّد الوصول الفلسطيني إليها، غير أنه يضع خطاً أحمر واضحاً: «لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية مستدامة في الوضع السياسي والأمني الحالي».
ويرى «ديوان» أن الخطوات العملية التي يمكن أن تحقق نتائج ملموسة، هي الضغط من أجل مفاوضات تقود إلى تسوية سلمية، فرض عقوبات على السلوكيات الإسرائيلية غير القانونية، الامتناع عن المشاركة في ما يصفه بالمشروع الاستعماري المرتبط برؤية ترامب، ودعم عودة عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، وتمكين السلطة الفلسطينية من إقامة إدارة انتقالية في «غزة»، ويختم «ديوان» رؤيته قائلاً: «ستبقى كل الخطط الاقتصادية مجرد أوهام على الورق، بينما يظل الواقع في غزة محكوماً بالحصار والغضب وغياب الأفق».