بعد استهداف إسرائيل للرموز الثقافية والتاريخية.. كيف يمكن إعادة الهوية الفلسطينية؟
بعد استهداف إسرائيل للرموز الثقافية والتاريخية.. كيف يمكن إعادة الهوية الفلسطينية؟
بعد العدوان الإسرائيلي على غزة، في السابع من أكتوبر 2023، لم تتضرر البنية التحتية والمباني فحسب، بل استهدفت الحرب أيضاً الرموز الثقافية والتاريخية التي تشكل جزءاً أساسياً من الهوية الفلسطينية.
وفقاً لتقييمات «يونسكو»، فقد تعرضت البنية الثقافية والتراثية في قطاع غزة لضرر واسع النطاق منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023، وتشمل هذه الأضرار أكثر من 150 موقعاً تراثياً تعرضت للضرر أو الدمار الكلي، منها مواقع دينية، مبانٍ تاريخية وفنية، مواقع أثرية، متاحف ومخازن للتراث.
وكذلك دُمرت أو تضررت مساجد أثرية، مبانٍ تاريخية، مواقع أثرية ومقامات يعود بعضها لقرون طويلة، وهي جزء من ذاكرة المجتمع الفلسطيني وهويته الثقافية.
وطال القصف الإسرائيلي مواقع أثرية تعود لآلاف السنين، بالإضافة إلى مبانٍ تاريخية في القدس القديمة وغزة الغربية، ومواقع دينية وأثرية داخل المدينة القديمة.
وقد وُصفت هذه العمليات بأنها جزء من استراتيجية تستهدف محو الذاكرة الجماعية وإضعاف الروابط الثقافية التي تشكّل جوهر الهوية الفلسطينية.
ولم يقتصر الضرر على المباني فقط، بل طال أيضاً مكتبات عامة وجامعية، إضافة إلى الأرشيف المركزي لمدينة غزة، ما ألقى بظلاله الثقيلة على الهوية التاريخية الفلسطينية وعلى قدرة الأجيال القادمة على الحفاظ على تراثهم ومعرفة تاريخهم.
إحياء المراكز التاريخية والثقافية
وقال حسام أبوالنصر، المؤرخ الفلسطيني، إن عملية إعادة الإعمار لا يمكن أن تقتصر على ترميم المباني أو شبكات الطرق والمرافق الاقتصادية، بل يجب أن تشمل إحياء المراكز التاريخية والثقافية التي تعرضت للاستهداف المباشر.
وقال «أبو النصر»: «حرب الإبادة استهدفت تدمير 206 مواقع أثرية وتاريخية من أصل 350، في محاولة لإيقاف عجلة كتابة التاريخ الفلسطيني، إعادة إحياء هذه المواقع تتطلب ترميماً متخصصاً يختلف عن المستعمل في المباني المدنية، كما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى والثانية».
وأضاف أن إعادة الترميم الأثري ليست مجرد نشاط تقني، بل جزء من استراتيجية للحفاظ على الهوية الفلسطينية ومقاومة محاولات الاحتلال طمسها.
وأوضح أن هناك تحديات كبيرة تواجه هذا المسار، أبرزها صعوبة دخول مواد الترميم الخاصة، والتي غالباً ما تكون عضوية وذات خصوصية عالية، بسبب القيود التي تفرضها إسرائيل.
وأشار أيضاً إلى أن الحرب لعبت دوراً مزدوجاً في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية، فدولياً رافقتها محاولات تضليل وتزييف للرمزية الفلسطينية، بينما محلياً شهد الفلسطينيون وعياً أكبر بالحق الفلسطيني، مع تفاعل الشباب والمثقفين والإعلاميين لنقل الحقائق إلى العالم.
آثار سلبية على الهوية الفلسطينية
وحذر «أبوالنصر» من أن إعادة الإعمار العمراني والاقتصادي بمعزل عن البُعد الثقافي لها أثر سلبي مباشر على الهوية الفلسطينية: «فقدان عناصر البناء التقليدية، وغياب الخصوصية الفلسطينية في المخططات العمرانية، سيؤديان إلى تشويه الهوية التاريخية والثقافية، كما أن تجاهل البُعد الثقافي يفتح المجال لعمليات تضليل ممنهجة تستهدف الأجيال القادمة، وتسهم في تآكل الوعي بالكينونة الوطنية الفلسطينية».
وأضاف أن إعادة الإعمار يجب أن تواكبها تحركات ثقافية فاعلة ومستمرة، تشمل التعليم، والمشاريع الثقافية والفنية، لضمان أن تظل الهوية الفلسطينية حاضرة في الوعي الجمعي ومقاومة لأي محاولات طمس أو تهويد.
وأشار «أبوالنصر» إلى أن الحفاظ على التراث الأثري، والمراكز التاريخية، والفلكلور، والروايات المحلية، والملكية الفكرية، يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي خطة لإعادة إعمار القطاع، لأنه يشكل الضمانة الحقيقية لاستمرارية الهوية الفلسطينية وسط التحديات التي يفرضها الاحتلال، ويضمن أن يكون البناء العمراني والتنموي مستنداً إلى أسس وطنية ثقافية متينة، لا مجرد مشاريع اقتصادية بلا روح وطنية.
كما شدد على أن أي عملية إعادة إعمار لا ترافقها استراتيجية ثقافية وتراثية واضحة ستصبح بلا أثر، وقد تتحول إلى محاولة لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني على مقاس خارجي، بما يهدد التاريخ والموروث الفلسطيني ويُضعف قدرة الأجيال الجديدة على التواصل مع جذورهم وهويتهم.