افتح يا هرمز

محمد صلاح

محمد صلاح

كاتب صحفي

وفجأة أدرك العالم حقيقة خطيرة، وهي أن هرمز ليس مجرد مضيق أو ممر مائي دولي، توهّم البعض أن تأثيره الجيوسياسي أصبح محدوداً، ومع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها السادس، نسينا جميعاً أسباب هذه الحرب، وانشغل العالم بمناقشة السبل اللازمة لإعادة فتح المضيق الذي كان مفتوحاً بالفعل، بدلاً من مناقشة الملفات التي كانت وقود هذه الحرب، كبرامج إيران النووية والصاروخية، وأذرعها المنتشرة في المنطقة.

هذه وحدها «نكتة» سيضحك عليها التاريخ طويلاً، ولكنها تعكس الاستهتار الأمريكي المعتاد بمصائر الأمم والشعوب، وهشاشة دراسات الجدوى التي اتخذ على أثرها قرار الحرب، حيث كان القرار معتمداً على أن تكون إيران نسخة منقحة من «نزهة» فنزويلا، دون دراسة متعمقة للفوارق التاريخية والسياسية والجغرافية والديموغرافية بين الحالتين، ودون التأمل في نتائج القيام بهذا العمل على اقتصاديات العالم أجمع، بما فيها الاقتصاد الأمريكي ذاته!

«لا، لن يفعلوا ذلك»، اكتفى الرئيس الأمريكي بهذا الرد على سؤال من رئيس أركانه حول خطط إدارته في حالة غلق المضيق كرد على الأعمال العسكرية، والحقيقة أن هناك أسباباً لهذا الرد من الرئيس ترامب، بعضها زائف وأغلبها مبالغ فيه، الزائف منها مثلاً أن اعتماد العالم على الطاقة التقليدية قد انخفض كثيراً، وأن الغرب لا يعتمد على المضيق في توفير احتياجاته من الطاقة، وأن أغلب القوافل التجارية التي تمر عبر هذا المضيق تخدم دولاً آسيوية، وهو ما سيؤدي لاستخدامه كوسيلة ضغط على هذه الدول في ملفات خلافية أخرى مستقبلاً.

أما المبالَغ فيه، فهو ما يخص التوسع في اعتماد العالم على الطاقة المتجددة والنظيفة، صحيح أن هناك توجهاً دولياً نحو الاعتماد على الطاقة النظيفة لأسباب بيئية واقتصادية، لكنها ما زالت مصدراً غير موثوق للطاقة، العالم يعيش مرحلة انتقالية لم تنتهِ بعد في الانتقال من الطاقة التقليدية إلى المتجددة، ولا أظن أن هذه المرحلة ستنتهي بين يوم وليلة، بل قد تمتد لعقدين كاملين من الزمن سيستمر فيهما النفط والغاز من أهم المصادر الدولية للطاقة.

كما تجاهل القرار الآثار الاقتصادية الدولية لغلق المضيق، سواء التأثيرات المباشرة على أسواق النفط الدولية، أو على الصناعات المرتبطة به، وتشمل الصناعات كثيفة الاعتماد على الطاقة كصناعات الألومنيوم والأسمدة، أو الصناعات القائمة على سلاسل التوريد العالمية، وما نتج عن ذلك من صدمة تضخمية كبرى في مختلف الأسواق، حيث تضاعفت أسعار البترول أكثر من 25%، والغاز أكثر من 200%، ما نتج عنه ارتفاع تكاليف الشحن من أربعة إلى خمسة أضعاف.

وتسبب ذلك كله في ارتفاع نسبة التضخم العالمي لتصل ما يقرب من 10%، وانهيار في الأسواق المالية، لكن يبقى الأثر الأخطر والأكبر مرتبطاً بالغذاء، والذي قد لا يتوافر في السنوات القادمة نتيجة عجز المزارعين حول العالم عن شراء الأسمدة بأسعارها الجديدة، ما يعني أن العالم قد يشهد مجاعات عدة لو استمر الوضع في منطقة الخليج على ما هو عليه!

وما يزيد الوضع تعقيداً أن كلا الطرفين قد جعل من المضيق قضية تفاوضية لا يرغب في التنازل عنها، فإيران اكتشفت بعد تأثيره النووي الاقتصادي أنه يمثل ضمانة حقيقية لأمنها القومي، بل لبقائها أيضاً، وأمريكا ما زالت ترغب في السيطرة عليه كدليل على نجاح حربها العبثية، وورقة ضغط تستخدمها في صراعها الأهم مع الصين، أما العالم الذي يدفع من قوته ودمه تكاليف هذا الصراع، فهو ينتظر اللحظة التي ينتهي فيها هذا الكابوس قبل أن ينتهي هو، والكل على أبواب المضيق هاتفاً «افتح يا هرمز»!