نحتاج لفضح الأكاذيب

مساء أمس وأنا أتجول بين القنوات الإخبارية للوقوف على مستجدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تتغير من ساعة لأخرى، وقعت عينى على حلقة مسجلة لقناة معروفة وفزعت من كم الافتراءات على الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وما هالني أن الإعلامية المعينة من أصحاب القناة كانت في غاية الشراسة في محاولة ترويج أن ثورة يوليو تعتبر برأيها أكبر خسارة للشعب المصري الذي تتحدث بصفاقة حادة عن حقبة النعيم الذي كان يعيش فيها في ظل الاستعمار البريطاني والملكية التي كانت صورة وهمية من الحكم الذي كانت تنفذ تعليماته الصادرة عن المندوب السامي البريطاني.

وقد ذكرتني هذه الحلقة بيوم تحولت إلى مصرية ناصرية رغم كل ما عانيته، حيث كنت في التاسع من يونيو عام 1967 أتابع إذاعتَي واشنطن وتل أبيب، وتوجهت إلى زوجى الراحل على الشوباشى وكان قد اعتُقل مرتين وممنوعاً من العمل، وسألته: إيه ده يا على، أمريكا وإسرائيل أعدائي، وهما يكنان كراهية مرعبة لعبدالناصر، إذن فهو حبيبى، امتلأت عينا على بالدموع وهو يقول لي، نفس سيناريو محمد علي يتكرر.

أوضح هنا أن «علي» كان في حزب يساري سرى وقال لي إن أي دولة في العالم مهما كانت ديمقراطية، لا تسمح بحزب سري.. المهم أنني بعد ساعات قليلة سمعت إعلان تنحي الزعيم الخالد عن الحكم.. صرخت بأعلى صوتي وهرعت نحو باب الخروج، وأنا حامل في طفلي الثاني بعد نبيل الذي نسيت لأول وآخر مرة، أنه ابني، فقد كانت مصر هي الهدف، نزلت إلى الشارع ومعي «علي» نعلن رفض الهزيمة التي تتمثل في هذه اللحظة في رحيل ناصر عن السلطة.

امتلأت شوارع مصر كلها بملايين المواطنين، أي إننا في موقف تاريخي لا مثيل له: هزمنا الهزيمة.. نعم، هزمنا الهزيمة، وكان التاسع من يونيو أول خطوة في حرب الاستنزاف التي أذاقت إسرائيل المر، باعتراف العدو، وطريق العبور الذي حققه جيشنا الباسل في السادس من أكتوبر عام 1973.

والغريب أن هذه الإعلامية، التي عبّرت بشراسة عن كراهيتها لعبدالناصر، لم تقرأ حرفاً عن حرب الاستنزاف ولا عن مكانة الزعيم، ليس فقط على المستوى الوطني في مصر، بل على صعيد الوطن العربي وكذلك على مستوى العالم. وكان ما بدر منها يقول إنها تعتبر تحقيق العدالة الاجتماعية، وتحرير الوطن من الاحتلال البغيض واسترجاع مكانة مصر، أم الدنيا، وبناء السد العالى، أعظم مشروع في القرن العشرين ومن أعظم مشروعات البشرية، كلها أخطاء جسيمة حتى لا أقول مرعبة، كما لم تقرأ المذيعة حرفاً عن جنازة ناصر، التي تعتبر حتى الآن، أكبر جنازة في تاريخ البشرية.

وأتوقف هنا لأشير، في رأيي، إلى أن الكراهية هنا ليست لجمال، بل للشعب المصري أساساً، والعربى عموماً والعالمي أيضاً، بل لكل هذه الشعوب التي غيرت ثورية عبدالناصر وإيمانه بحقها في حياة كريمة، تعليماً وصحة، تغييراً عميقاً، والحديث لا ينتهي ولكن علينا الاهتمام الأكبر بتوعية الأجيال التي لم تعاصر هذه الفترة، توعية عميقة وصادقة، حيث لن يكف الأعداء عن بث الشائعات الخبيثة والمغرضة، ليس ضد حاكم في رحاب الله منذ أكثر من نصف قرن، بل لتكفير الأجيال الشابة بكل ما يصب في صالح إعلاء قيمة الوطن وقدره، لأن مصر، أم الدنيا.