مسئول سابق بـ«الأمم المتحدة»: السلام الإقليمي مشكوك فيه طالما استمر الدعم الأمريكي لإسرائيل (حوار)
مسئول سابق بـ«الأمم المتحدة»: السلام الإقليمي مشكوك فيه طالما استمر الدعم الأمريكي لإسرائيل (حوار)
قال البروفيسور ريتشارد فولك، أستاذ القانون الدولي، والمقرر الخاص الأسبق لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة لدى الأمم المتحدة، إن النظام الإيراني لا يمكن أن يسقط بسبب الضربات الأمريكية والإسرائيلية، كما أن تجربة حرب فيتنام، ثم العراق وأفغانستان واليمن، دليل على ذلك. وأكد، في حوار مع «الوطن»، أن الالتزام بحقوق الإنسان تراجع في السنوات الأخيرة، خاصة في الديمقراطيات الليبرالية الغربية، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة أضعف من أي وقت مضى. وإلى نص الحوار:
تراجع الالتزام بحقوق الإنسان في السنوات الأخيرة، خاصة في الديمقراطيات الليبرالية الغربية، ولكنه يعكس أيضاً توجهات استبدادية ومعادية للأجانب في جميع أنحاء العالم، وفي جميع الدول ذات السيادة الرائدة تقريباً. كما تأثر الالتزام بمعايير القانون الدولي فيما يتعلق بحقوق الإنسان سلباً بالفشل في معالجة الفصل العنصري والإبادة الجماعية الإسرائيلية، والقمع الواسع النطاق لاحتجاجات التضامن مع فلسطين والمبادرات السياسية المؤيدة لها. كما أن التضييقات الداخلية على حقوق الإنسان في الديمقراطيات الليبرالية قد أعاقت كافة الجهود لزيادة الامتثال للمعايير القانونية لحقوق الإنسان.
■ ما توقعاتك بشأن سقوط النظام الإيراني نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية؟
أشك في أن النظام الإيراني سيسقط بسبب الضربات الأمريكية والإسرائيلية غير المبررة، خاصة أن إيران كانت منهكة أصلاً بعد عقود من العقوبات والعمليات السرية والهجمات، بما في ذلك اغتيالات ودعم لمقاتلين معارضين قبل عام. عادةً ما تؤدي مهاجمة دولة في الجنوب العالمي بعد الاستعمار إلى تقليل الانقسامات الداخلية مؤقتاً، وخلق حالة من الوحدة والمقاومة، قد تتجاوز مع الوقت تفوق القوى المتدخلة عسكرياً. تجربة هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام مثال واضح، وكذلك تجارب العراق وليبيا وأفغانستان واليمن، التي أظهرت أن تغيير الأنظمة بالتدخل الخارجي غالباً ما يفشل، رغم أن السياسة لا يوجد فيها مستحيل.
ترامب قد يلجأ لأي خطوة حتى لا يظهر بمظهر المهزوم أمام إيران
في المقابل، أظهرت الولايات المتحدة وإسرائيل في غزة استعداداً لتجاهل القانون والأخلاق والرأي العام في حرب طويلة وعلنية، لذلك يبقى احتمال صمود إيران قائماً رغم التوتر بين الدولة والمجتمع. ولا توجد مؤشرات على دعم واسع لعودة بهلوي، وعند توقع نهاية الحرب، من المهم ملاحظة أن ترامب قد يلجأ لأي خطوة حتى لا يظهر بمظهر المهزوم أمام إيران، كما أن نتنياهو يُظهر رفضاً للدبلوماسية والتزاماً قوياً بفكرة إسرائيل الكبرى، وقد يذهب إلى تصعيد خطير إذا رأى أنه ضروري لتغيير النظام، بدعم أمريكي أو بدونه، وتُفهم الضربات الإسرائيلية على إيران في هذا السياق كجزء من استراتيجية طويلة للهيمنة الإقليمية.
■ كيف ترى مستقبل إيران؟
أثبتت إيران نجاحها على مدى عقود في مواجهة المعارضة الداخلية والخارجية وحماية سيادتها. كما تعرضت إيران للهجوم بشكل غير عادل فيما يخص برنامجها النووي بسبب تهديدات إسرائيل والولايات المتحدة منذ 1979، وهي مثال على صدام الحضارات في المنطقة بعد الحرب الباردة. دبلوماسية ترامب المؤيدة لإسرائيل زادت التوتر، لكنها قد تفتح مجالاً لاتفاقات براجماتية تشمل تطبيع العلاقات، خصوصاً مع ميله لإجراء تغييرات مفاجئة في السياسة. فشخصية ترامب في الجيوسياسة النرجسية تتضمن استعداداً لإجراء تحولات سياسية مفاجئة وغير متوقعة.
■ طوال مسيرتكم الطويلة في القانون الدولي، ما اللحظة التي شعرت فيها أن عملك أحدث فرقاً حقيقياً؟
من الصعب تحديد ما الذي يمكن اعتباره فرقاً حقيقياً، فمن خلال معارضتي لحرب فيتنام كباحث في القانون الدولي، أعتقد أنني أحدثت بعض التأثير في الخطاب العام، خاصة بعد سنوات من المقاومة غير المتوقعة من الشعب الفيتنامي بإلهام من زعيمهم، وعند عودتي إلى الولايات المتحدة من زيارتي الأولى من أصل زيارتين لفيتنام الشمالية زمن الحرب عام 1968، نقلت إلى الحكومة الأمريكية مقترحات سلام كانت أكثر مواءمة للمصالح الأمريكية مما تفاوض عليه هنري كيسنجر بعد عدة سنوات، وقد أولت وسائل الإعلام اهتماماً بارزاً لرحلتي ومقترحاتي.
وبالمثل، فيما يتعلق بالثورة الإيرانية 1978-1979 التي أوصلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى السلطة، خاصة نتيجة اقتباسات وسائل الإعلام لرأيي الداعم بشكل عام لشعبية وشرعية الحركة المناهضة للشاه. وبعد أن أصبحت ناشطاً في تعزيز التضامن مع النضال الفلسطيني من أجل حقوقهم الأساسية، استُبعدت آرائي من التفكير السائد في وسائل الإعلام، والكونجرس، وحتى الدوائر الأكاديمية، رغم أن ذلك لم يمنعني من النشاط في المنصات الإعلامية المعارضة وبين جماعات المجتمع المدني المعنية بالسلام والعدالة. ووصل نشاطي إلى ذروته بتعيين غير متوقع من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة كمقرر خاص لفلسطين المحتلة، مما منحني منبراً مهماً لطرح آرائي، رغم أن ذلك صاحبته حملات تشهير لزعزعة مصداقية دوري كخبير مستقل يقدم تقارير عن انتهاكات إسرائيل الممنهجة للقانون الدولي الإنساني وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وقد واصلت تأليف الكتب وكتابة مقالات الرأي التي تعبر عن التزامي بالقضايا داخل الولايات المتحدة والعالم.
■ أي الصراعات الدولية تعتقد أنه تمت إساءة التعامل معها؟
من وجهة نظري، دبلوماسية السلام منذ 1945 وحتى اليوم فشلت بشكل مستمر في تحقيق السلام المستدام وحقوق الإنسان وإصلاح النظام العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، تخلت الولايات المتحدة عن جهود نزع الأسلحة النووية وأبقت السيطرة على الأمن العالمي تحت النفوذ الجيوسياسي، متجاهلة الاستعمار والعدالة الدولية، أما بعد فيتنام، فقد تم التركيز على تجاوز ما حدث في فيتنام عبر حروب سريعة كالخليج 1991، مع تجاهل شرعية حروب التحرر الاستعماري. فخلال الحرب الباردة، أولت الولايات المتحدة اهتماماً للصراع مع الاتحاد السوفيتي أكثر من بناء نظام عالمي يحترم القانون الدولي، ما أدى لسباق تسلح وصراع أيديولوجي وقمع داخلي للمعارضة. أما بعد 11 سبتمبر، فقد اختارت حرباً على الإرهاب بالقتل عبر الطائرات بدون طيار والصدمة والترويع، متجاهلة سيادة دول الجنوب العالمي وأطر القانون الدولي. وبعد حرب أوكرانيا، فضّلت الولايات المتحدة وحلف الناتو التصعيد العسكري بدل التسوية، مما سمح باستمرار القتل وتدهور المفاوضات، وبعد هجوم 7 أكتوبر من غزة، شنت إسرائيل هجوماً إبادياً بدعم غربي، ما أدى إلى سقوط عشرات آلاف الفلسطينيين ضمن مسعى لإقامة إسرائيل الكبرى، مع إظهار تحالفات غربية موقفاً إسلاموفوبياً ودعماً لقمع المقاومة الفلسطينية، وحتى أطر أشبه بالفصل العنصري.
■ كيف تقيم الدور الحالي للأمم المتحدة في حل النزاعات القائمة، مثل تلك الموجودة في الشرق الأوسط أو فلسطين؟
الأمم المتحدة أضعف مما كانت عليه منذ تأسيسها عام 1945، وهذا ناتج جزئياً عن عجز الأمم المتحدة عن حماية الشعب الفلسطيني وغيره من تحدي إسرائيل للقانون الدولي، وهو ما يبرزه رفض احترام الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وعلى رأسها حق تقرير المصير، والحقوق المرتبطة بالمقاومة في هذا السياق الاستعماري الاستيطاني، ورد الفعل على استخدامات إسرائيل للقوة ضد عدة دول مجاورة، وقد تجسد ذلك بشكل درامي في السماح لإسرائيل والولايات المتحدة بالإشراف بطريقة تلاعبية على ترتيبات وقف إطلاق النار الحالية والتحكم في مستقبل غزة، وهو ما تم إضفاؤه طابعاً مؤسسياً في مجلس السلام، الذي يكافئ مرتكبي الإبادة الجماعية ويعاقب ضحاياها بشدة.
■ إذا كان بإمكانك تغيير قرار دولي سابق، فماذا سيكون ولماذا؟
لو أستطيع تغيير قرار دولي سابق، فسيكون قرار عام 1945 الذي أتاح للفاعلين الجيوسياسيين غير الخاضعين للمساءلة إدارة الأمن العالمي، مع إعفائهم من الالتزام القانوني بميثاق الأمم المتحدة، ويرتبط بهذا القرار ارتباطاً وثيقاً فرض المساءلة عن جرائم الحرب فقط على قادة الخاسرين في الحرب العالمية الثانية، مع رفض التدقيق القانوني على المنتصرين، رغم توقع المدعي العام الأمريكي القاضي جاكسون أن يلتزم المنتصرون بنفس المعايير، إلا أنهم استمروا في الإفلات من العقاب.
■ ما الخطوات التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق السلام في المنطقة؟
يبدو أن السلام الإقليمي مشكوك فيه طالما تواصل الولايات المتحدة دعم سياسات الأمن المهيمنة لإسرائيل، التي تؤثر ليس فقط على الفلسطينيين أو أي دولة يُنظر إليها كعائق أمام الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية. ولتحقيق السلام في المنطقة، يجب اتخاذ ست خطوات مترابطة، وهي تقرير المصير لفلسطين، وتخلي إسرائيل عن الأيديولوجية الصهيونية لإسرائيل الكبرى أو مراجعتها جذرياً، وإنهاء جميع العقوبات الأمريكية على إيران، وتخلي إسرائيل عن الأسلحة النووية مع معاهدة مراقبة لجعل المنطقة خالية من النووي، وإنشاء لجنة حقيقة ومصالحة لفحص الروايات الإسرائيلية والفلسطينية منذ وعد بلفور 1917 حتى اليوم، ووضع سقف متفاوض عليه للإنفاق العسكري الإسرائيلي وإعلان للتعايش على أساس المساواة العرقية، مدعوماً بتعهد دائم من أعضاء مجلس الأمن بعدم استخدام الفيتو في أي تكرار للصراع.
■ ما الذي تحتاجه المحكمة الجنائية الدولية والعدل الدولية لامتلاك آليات إنفاذ أقوى؟
لكي تصبح محكمة العدل الدولية أقوى في الإنفاذ، يمكن تقليص حق الفيتو للأعضاء الدائمين في الحالات المتعلقة بقرارات المحكمة، مع تمكين الجمعية العامة من حث الدول على الامتثال أو فرض عقوبات أخلاقية. أما المحكمة الجنائية الدولية، فهي مستقلة عن الأمم المتحدة وتعتمد على ميثاق روما، ولا تملك سوى الامتثال الطوعي من غير الأطراف، بما في ذلك روسيا والصين والولايات المتحدة. ويمكن للجمعية العامة زيادة الضغط عبر حوافز سياسية ومدنية، أو تعديل ميثاق الأمم المتحدة لمنحها سلطة إنفاذ أحكام المحكمتين، مع ضرورة موافقة الأعضاء الدائمين بالإجماع. في النهاية، تبقى الإرادة السياسية للدول الكبرى حاسمة في الحث على الامتثال أو دعمه، ويزداد تأثير قرارات «العدل الدولية» والمجلس الجنائي الدولي عندما تكون الدولة المعنية عضواً في الأمم المتحدة أو طرفاً في نظام روما الأساسي.
■ هل حاولت إسرائيل استمالتك إلى جانبها خلال فترة عملك كمقرر خاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في فلسطين؟
لا، لم تحاول أي جهة تجنيدي بعد خسارتهم في معارضة تعييني كمقرر خاص في مجلس حقوق الإنسان، وخلال الست سنوات التي خدمت فيها كمعين متطوع من قبل الأمم المتحدة، اقتصر جهدهم على تشويه سمعتي كمراقب موضوعي واتهامي بالتحيز العرقي بشكل متكرر. للأسف، أظهرت الأمم المتحدة دعماً محدوداً حتى عند احتجازي في سجن بمطار إسرائيلي أثناء أداء مهمتي، ويبدو أن ذلك جاء استجابة لتعليقات تحريضية من رقابة الأمم المتحدة، وهي منظمة غير حكومية تركز غالباً على الدفاع الهجومي عن إسرائيل ضد المنتقدين عبر الأكاذيب والإهانات.
■ كيف ترى التغييرات في غزة والشرق الأوسط بأكمله منذ 7 أكتوبر؟
رغم أن المستقبل غير مؤكد فإن الظروف الحالية تبدو قاتمة فيما يتعلق بالاستجابة للمظالم الفلسطينية، التي تفاقمت بسبب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل لأكثر من عامين، في انتهاك صارخ لاتفاقية منع الإبادة الجماعية، مع دعم صادم من العالم المسيحي الأبيض بعد 7 أكتوبر. في الوقت نفسه، يظهر ترامب زعيماً متقلباً قادراً على تغييرات مفاجئة في الدور الأمريكي، كما يتضح من تشبثه بحل الدولتين رغم رغبات إسرائيل، وهو تعهد غامض قد يتحقق في المستقبل البعيد، ويتعارض مع مسعى إسرائيل لإنشاء إسرائيل الكبرى. وتتجلى التناقضات الأمريكية في غياب الانتقاد لتسامح أو تشجيع إسرائيل لعنف المستوطنين في الضفة الغربية، مما يعكس نهجاً يتماشى مع الضم الفعلي أكثر من دعم دولة فلسطينية قابلة للحياة. وحالياً، تبدو إسرائيل أكثر تصميماً على جعل أي دولة فلسطينية أقل جدوى، فيما تتجاهل كل من إسرائيل والولايات المتحدة الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لعام 2024 الذي يلزم بالانسحاب من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو قرار أيدته الجمعية العامة بأغلبية ساحقة.
■ خلال لقائك بآية الله الخميني، ماذا حدث بينكما بالضبط؟ وكيف تصف تأثير ذلك اللقاء عليك؟
في يناير 1979، كنت برفقة رامزي كلارك، المدعي العام الأمريكي السابق، ودونالد لوس، وهو زعيم ديني مناهض للحرب، تلبية لدعوة من مهدي بازركان، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الإسلامية، الذي طلب مني تشكيل وفد صغير لزيارة إيران من أجل التواصل المباشر مع الثورة وقادتها خلال الأيام الحاسمة التي كانت على وشك تحقيق النصر للحركة الشعبية المعارضة للشاه. خلال وجودنا في إيران، تنازل الشاه عن العرش وكانت لحظة مثالية لإجراء هذا الحوار مع الزعيم الرمزي لهذه الثورة التي فاجأت العالم بمقاومتها الناجحة لنظام الشاه.
وقبل عودة آية الله الخميني إلى إيران مباشرة، قيل لنا إنه نظراً لأن زيارتنا اعتبرت ناجحة، فقد عُرضت علينا كمكافأة مفاجئة فرصة لقاء آية الله الخميني في طريق عودتنا إلى الولايات المتحدة في مقر منفاه في إحدى ضواحي باريس.
عقدنا اللقاء ونحن جالسون في دائرة داخل خيمة كبيرة في حديقة منزله، غطينا العديد من المواضيع ذات الأهمية الدائمة، ولكن الموضوع الذي يظل عالقاً في ذاكرتي هو أسئلة آية الله الخميني الأولية لنا حول ما إذا كانت الولايات المتحدة، على عكس عام 1953، ستقبل إرادة الشعب الإيراني وتكون منفتحة على علاقات دبلوماسية طبيعية، وهو ما كان يفضله للمستقبل شريطة ألا يكون ذلك خدعة لحث القيادة الجديدة على التخلي عن حذرها.
الخميني كان لديه تفضيل واضح لمستقبل دبلوماسي سلمي مع الغرب
كما سألنا عن وضع الأقلية اليهودية، وكان رده مطمئناً: «اليهودية دين أصيل، وإذا لم يشرك اليهود أنفسهم كعملاء لإسرائيل، فسيكون من المأساوي بالنسبة لنا أن يغادروا إيران»، لقد خرجت من لقائنا الذي استمر عدة ساعات ونحن جالسون على الأرض في الخيمة بانطباع واضح بأن الخميني كان لديه تفضيل واضح لمستقبل دبلوماسي سلمي مع الغرب. لكن لسوء الحظ، وبسبب عدد من العوامل، ظل هذا الطريق لم يُسلك، وعلى حد تعبير الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في السطر الأخير من قصيدته، قائلاً «وهذا ما أحدث كل الفرق».
■ لماذا تلقيت تهديدات بالقتل لعدة سنوات بعد مقالك في «نيويورك تايمز» بعنوان الثقة في الخميني؟ وكيف تعاملت معها؟
كان الأمر أكثر من مجرد اختلاف مع آرائي وأفكاري، أشك في أن الهدف كان إخافتي من العواقب إذا لم أصمت في المستقبل، لأن تلك التهديدات لم تغير قناعتي القوية بأن الحكومة الأمريكية يجب أن تختبر على الأقل استعداد القيادة الإيرانية الجديدة للعمل وفقاً لهذه الرغبة المعلنة في علاقات دبلوماسية طبيعية تقوم على الاحترام المتبادل والفوائد المشتركة. لقد كانت فرصة ضائعة لإثبات أن الولايات المتحدة مستعدة لمنح الشرعية لنتائج النضالات الوطنية الداخلية لتشكيل الهوية السياسية لدولة ذات سيادة، وهي سمة أساسية للحق في تقرير المصير. ولأن الطريق الذي سلكه جميع القادة الأمريكيين كان طريق المواجهة والعداء تجاه إيران، وهو ما لا يتفق مع التقييم العقلاني للمصالح الوطنية الأمريكية، فقد دفع ذلك القيادة الجديدة في إيران إلى إعطاء الأولوية القصوى لأمن النظام والدفاع عن الأراضي. ومن المستحيل الجزم بما إذا كانت هذه الانشغالات هي المسؤولة عن السياسات القاسية وغير المتسامحة ظاهرياً للحكم الثيوقراطي. إن تفسير ما إذا كانت العقود التي تلت ذلك قد تكون مختلفة لو لم تثر الولايات المتحدة وإسرائيل باستمرار المخاوف التاريخية الإيرانية بشأن الماضي هو أمر من قبيل التخمين المحض. ربما تظهر صورة أكثر إقناعاً إذا قدّم المطلعون على السياسة الإيرانية تحليلاً دقيقاً لكيفية تحول الحكم إلى هوس مفهوم بالأمن القومي واستقرار النظام نتيجة التهديدات الأمنية وسياسات زعزعة الاستقرار التي تقودها إسرائيل، بدعم من الأعضاء الرئيسيين في المجتمع السياسي الأطلسي الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية.
■ هل تعتقد أن إدارة جورج بوش كانت متواطئة في هجمات 11 سبتمبر؟
أنا لست خبيراً في النقاشات الجارية حول ما حدث بالفعل في 11 سبتمبر، لكنني أعلم أن هناك العديد من الخيوط غير المترابطة والأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها في الرواية الرسمية لهجمات تنظيم القاعدة المزعومة. لا يوجد حالياً أي تقبل في واشنطن لفتح القضية للتدقيق الموضوعي من قبل لجنة تحقيق دولية مستقلة. ولم أر أي دليل مقنع على تواطؤ نشط من قبل جورج دبليو بوش يتجاوز الحقائق المثبتة جيداً عن التراخي في مواجهة التحذيرات من نوع ما من الهجمات الإرهابية. وكان الإطلاق الفوري لحرب الإرهاب الكبرى رداً رجعياً، لكنه يتفق مع الدوافع السياسية لنخب السياسة الخارجية التي تسيطر على صياغة المصالح الوطنية الأمريكية.
ونشأ مصدر إضافي للشك لأن الولايات المتحدة كانت تتعرض لضغوط من قبل إسرائيل لتبني موقف معادٍ للعراق في الشرق الأوسط، ومن المشكوك فيه أن حرب العراق عام 2003 كانت لتُشن لولا تمويه هجمات 11 سبتمبر، التي وفرت مبرراً مصطنعاً كاذباً للانخراط بعدوانية ضد أي خصم للولايات المتحدة، وخاصة في الشرق الأوسط ومن المفيد إعادة مراجعة بيان القطيعة التامة الذي وضعه المحافظون الجدد بتشجيع من القادة الإسرائيليين في التسعينات.