كلام إلى التفاهة والسخافة أقرب

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

كثيراً ما يتعرض الأزهر ومنهجه لسوء الفهم أو التبسيط المخل، حين يُختزل مفهوم الانفتاح في قبول غير منضبط لأفكار الجماعات الدينية بكافة أنواعها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بيان الفارق بين الانفتاح وقبول الآخر، وبين السيولة الفكرية التي تُفقِد المؤسسة مرجعيتها وتماسكها المنهجي.
شذ عن الأزهر أحد المنتسبين لإحدى المؤسسات الدينية حيث قال إن الأزهر يقبل كل الآراء والتوجهات والأطروحات، وهو يقصد بكلامه أن الأزهر يقبل التيارات التي تدعي الانتساب للسلف وما شابهها، وهذا كلام في ظاهره عذوبة، لكنه في الحقيقة كلام منقوص من كل جهاته، ومعابثة فارغة، وهو إلى التفاهة والسخافة أقرب؛ لأنه يؤدي إلى اختراق الأزهر بأفكار دخيلة ومناهج منحرفة، وإلى شرعنة دخول الغلو والتطرف والتشدد والتبديع إلى مناهج الأزهر.
وقد انتشر خطاب بين بعض الأزهريين أنهم إذا سئلوا من طلابهم عن التيارات الإسلامية الموجودة على الساحة فإن الجواب يكون من نوعية: إن الجميع يريدون خدمة الإسلام، وإن الأزهر يقبل الجميع، وهي دعوة صحيحة من حيث هي، ولكنها ليست كذلك من حيث الترتيب والتطبيق والمقاصد، فالأزهر مؤسسة لها فكرها ومنهجها الأصيل، ولا يحتاج إلى تكوين مزيج من الأفكار المتناقضة والمتضاربة باسم جمع الأمة، ولا يجوز تصوير الأزهر على أنه منهج عائم سائل يقبل المناهج والتيارات المتطرفة.
ذلك لأن نتائج هذا الخطاب تفرز إشكاليات عميقة، جعلت هذه التيارات تحاول اختراق الأزهر والالتحاق بالدراسة فيه، ثم تضليل منهجه وعقيدته، وهو ما حدث بالفعل، كما أن جمع شمل الأمة لن يكون إلا بالاعتصام بمنهج جماهير المسلمين، ورفض التنازع والتكفير والتبديع والتخوين والعنف والتشدد والغلو.
وتقرير منهج واحد راسخ كمنهج الأزهر ليس انغلاقاً ولا جموداً، وعباءة الأزهر تتسع للجميع تعاملاً وتعايشاً، والانتماء إلى المنهج الأزهري لا يمنع الانفتاح على الآخر، بيد أن فرقاً مهماً بين الدراسة والقناعة، فالأزهر يدرس كافة المذاهب والتيارات والأفكار والأطروحات، لكنه يؤمن بمنهجه المستقر المستقل، ومنهج الأزهر مع الأفكار الأخرى هو منهج التعايش لا الاحتضان، والمعرفة لا الإقرار، والبيان لا الذوبان، والتصحيح لا التبرير، والنصح لا التنازل، مع نبذ التطرف والتشدد والغلو، فالأزهر يتسع الجميع من حيث النصح والبيان والتوجيه، لا من حيث إلغاء الفوارق أو طمس المعايير، أو قبول الاختراق.
ودعوة قبول الأزهر جميع الأفكار والمناهج فهي دعوة إلى الفوضى الفكرية، وإلى تمييع الحقائق، وإلى إلغاء الضوابط، وإلى تشويش المفاهيم، وإلى التسيب المنهجي، وإلى إسقاط مرجعية الأزهر الشريف، وإلى اللامعيارية، وفي بيئة كهذه -التي يدعو إليها هذا المدعو- تتناقض الرؤى، وتتصادم الأفكار، وينشأ الأزهري مشوش الفكر، متذبذب الهوية، ضائعاً وتائهاً بين التيارات والأفكار، ويتحول التعليم من رسالة لبناء الشخصية والعقل والمنهج السليم إلى ساحة صراع بين أحكام وفتاوى وآراء ومواقف، ويخرج المتعلم من هذه البيئة متردداً، فاقداً البوصلة الفكرية، عاجزاً عن التمييز بين الصحيح والخطأ، وبين المرجعيات الموثوقة، والمرجعيات الدخيلة والمنحرفة.
والحاصل أن الأزهر لم يكن يوماً ما منغلقاً، لكنه كذلك لم يكن ساحة مفتوحة بلا ضوابط، وقوته قدرته على التمييز بين المناهج، والتحصين من الاختراق.