في انتظار جودو!
إضافة سلام جديدة لمصر بإنجاح إقرار الهدنة.
صدّرت القاهرة نفسها إقليمياً ودولياً وسيطاً شريفاً رشيداً محباً للسلام، وداعياً في كل الأحوال إلى إسكات البنادق.. وهي أهلاً لذلك بالشواهد وبالتجربة وبالسوابق.
مرّت الأزمة، أو على الأقل تأجّلت مواجهة توعّد فيها ترامب إيران، وردّت إيران بالوعد والوعيد على الإقليم بما فيه.
لا نبرئ طهران، لكن واشنطن هي الأخرى تأمر بالإثم وتعتاد العدوان.
على كلٍّ، ليس مكتوباً للعالم أن يفنى الآن.
وإن كان حجم الدمار في إيران كبيراً مهولاً، فإن الولايات المتحدة قد أهينت الشهر الماضي بما يكفي.
يكفي الطائرات التي أسقطت لأكبر قوة في العالم، والطيارين الذين نازعوا الحياة خوفاً من الأسر في أكبر لطمة حديثة على وجه دولة القوة.
ستتخطى السياسة الدولية المعضلة بأجوائها وأخطارها كما تجاوزت أزمة خليج الخنازير في الستينات، وكما تخطت أزمة الصواريخ الكوبية، لما فوجئ الأمريكان ذات صباح بالنووي الروسي في كوبا على بُعد 50 كيلومتراً من فلوريدا.
مكتوب للإنسانية أن تمتص المخاطر، كما امتصت قنبلة هيروشيما ونجازاكي سنة 45.
ورغم صلف بعضهم وغرور آخرين، فإن الاحتمال الأكبر للآن أنه لا بد من سبيل لتهدئة الحرب الدائرة عسكرياً، لتبقى الأزمة الأكبر في تداعيات أضخم على مستوى الاقتصاد والاجتماع.
يتضرّر الاجتماع إثر الأزمات الدولية من ذلك النوع أكثر ممّا يتضرّر الاقتصاد.
الحرب والضرب والوعد والوعيد والمآسي فوق الوصف، تترك آثارها على المجتمعات والأجيال المقبلة بردود فعل فوق مستوى الخطورة.
بعد إهانة أمريكية في حرب فيتنام، لم يعد الشارع في واشنطن كما كان قبلها. اضطرب المجتمع هناك وكان الشباب أكثر اضطراباً، وظهر مزيد من جماعات بويهيمية من الشباب تهيم على وجوهها في الشوارع، وتقتل الرهبان والقساوسة، وتتحرّش بالبراهبات فاقدين الإيمان بالمبادئ وبالدين وبالدولة.
لم يجدوا مبرراً كافياً لوحشية جيش أمريكي قالت الإدارة إنه ذهب إلى فيتنام أقصى الشرق، لحماية المواطن الأمريكي أقصى الغرب، ليعود معظم جنوده مرضى بالفصام والصدامات النفسية، بعدما أردوا ألوف الفيتناميين صرعى بلا أيدٍ ولا أرجل ولا رؤوس.
بعد الحرب الثانية دخل العالم في أكبر اضطراب اجتماعي من نوعه، وظهرت جماعات الهيبز والبانك واليانكيز بتوجهات فوضوية وآراء عدمية، ترى أنه لا جدوى في أي شيء، وأنه لا معنى لأي شيء، وأنه لا رب ولا دين ولا رسل، ولا عدل في الدنيا التي تحدث فيها كل تلك المآسي.
ومن فرنسا خرجت إلى أوروبا مدرسة العبث في الفلسفة، وعلى المسرح.
كان صمويل بيكيت، عراب فلسفة العبث على المسرح، وجان بول سارتر معلمها في الوجودية.
لاقت أفكار بيكيت وسارتر شهرة منقطعة النظير في أوروبا، ومنها إلى العالم، خصوصاً بين مجتمعات لم يعد أفرادها متأكدين من أي شيء، ولا واثقين في أي أحد.
في مسرحياته طلعت شخصيات بيكيت على المسرح صامتة منعزلة فاقدة القدرة على التواصل مع النفس ومع الآخرين، لذلك اعتبرت الموت حلاً وحيداً للخلاص من عالم مُفترٍ، يقتل ويتكلم عن الإيمان، ويدوس على الأشلاء ويتحدث عن رحمة.
أشهر أعمال بيكيت «في انتظار جودو»، وكانت الأكثر إشارة إلى مأساة الإنسان بعد الدمار الذي ألحقه الإنسان بأخيه، ليكتشف بطل المسرحية أن المعنى الذي يبحث عنه في حياته معنى زائفا، وأنه لا معنى ولا فائدة منه.
في رحلة إلى اليقين الإنساني بعد الحرب الثانية، ظهر الممثلون على مسارح أوروبا كلها، يؤكدون عجز الإنسان عن التفاهم والتعايش في دنيا تبدو بغرور الإنسان وأطماعه كالغابة، وأن الإنسان الذي يقتل بلا سبب، ويحرق بلا مبرر، ويعلق إنساناً آخر على الشجرة كي تأكله الطيور بلا جريرة، هو نفسه الذي يبحث عن أفضل الموضات.. وأحلى الطعام.. وأفضل البرفانات.
رغم أنه يكتب للعالم النجاة من وقت لآخر، فإن غرور الساسة، ووهم القوة ما زال مسيطراً هنا، ومتروكاً هناك.
لذلك.. تظل الشعوب في بحثها عن جودو.. أو ربما أكثر من جودو واحد.