المخابرات الأمريكية تراقب 350 ألف شخص حول العالم.. وتحلل تفاصيل حياتهم بالذكاء الاصطناعي

كتب: محمد مجدي

المخابرات الأمريكية تراقب 350 ألف شخص حول العالم.. وتحلل تفاصيل حياتهم بالذكاء الاصطناعي

المخابرات الأمريكية تراقب 350 ألف شخص حول العالم.. وتحلل تفاصيل حياتهم بالذكاء الاصطناعي

في أروقة مجتمع الاستخبارات الأمريكي بواشنطن؛ حيث تُصاغ السياسات الأمنية الكبرى خلف أبواب موصدة، لم يكن صدور «تقرير الشفافية السنوي لعام 2025»، الصادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية (ODNI)، الجهة المشرفة على أجهزة المخابرات الأمريكية مثل الـCIA والـFBI، مجرد إجراء إداري روتيني، بل كان إعلاناً عن حقبة جديدة من السيادة الرقمية؛ فخلف الجداول الإحصائية المزدحمة بالأرقام، تكمن خارطة طريق لعمليات استخباراتية عابرة للحدود، أعاد صياغتها قانون «إصلاح الاستخبارات وتأمين أمريكا (RISAA)» الصادر خلال عام 2024.

تجمع أدق تفاصيل حياتهم وتحللها بالذكاء الاصطناعي لـ«استباق التهديدات»

التقرير الجديد الصادر أول شهر أبريل الجاري، والذي اطلعت «الوطن» على نسخة منه، يكشف حقيقة أن زمن الجاسوسية التقليدية الذي كان يعتمد على العناصر البشرية والمراقبة الميدانية المحدودة وحدها قد ولى؛ فنحن اليوم أمام «جاسوسية هيكلية» تتغذى على تدفق البيانات الضخمة، وتستغل خوارزميات الذكاء الاصطناعي لغربلة العالم رقمياً؛ فالتقرير، الذي نضعه اليوم تحت مجهر القراءة الفاحصة، يمثل «شهادة ميلاد» لمنظومة مراقبة حديثة تحاول التوفيق بين مطرقة الضرورة الأمنية وسندان الحريات المدنية. في هذا التقرير، نغوص في أعماق «الملفات المسكوت عنها» في عالم أجهزة المخابرات؛ لنكشف سر «المادة 702»، الأداة الأكثر فتكاً في ترسانة واشنطن، والتي وضعت في عام واحد أكثر من 350 ألف هدف أجنبي تحت الرقابة المباشرة، وسنقتفى أثر التغييرات الجوهرية في عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، ونكشف كواليس محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISC)؛ حيث تُمنح التفويضات القانونية لاختراق الخصوصية في غرف لا تدخلها أشعة الشمس. كما نسلط الضوء على قضية «كشف الهوية» التي طالت آلاف الأمريكيين، ونبين كيف تحولت مكافحة «المخدرات الاصطناعية» إلى جبهة جديدة لعمل وكالات التجسس الكبرى؛ فنحن لا نقرأ مجرد إحصائيات، بل نحلل العقيدة الأمنية الجديدة التي جعلت من العالم «كتاباً مفتوحاً» أمام أعين إلكترونية لا تنام.

تقرير: رادارات الإنترنت الخارقة ترسم الخارطة الجينية للبشر


نبدأ قصتنا في محاولة تفكيك «شفرة المراقبة العالمية» من حيث تبدأ القصة من حيث تنتهي سرية البيانات؛ ففي الممرات المعتمة لمجتمع الاستخبارات الأمريكي، حيث تُقاس القوة بالقدرة على اختراق الصمت، يظل مصطلح «القسم 702» يتردد بقدسية خاصة؛ فهو ليس مجرد بند قانوني في تشريعات مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISA)، بل هو «جوهرة التاج» التي تمنح واشنطن قدرة على رؤية ما وراء البحار، وفي عام 2025، لم يكن هذا القسم يواجه خطر الزوال، بل كان يمر بعملية تحول جذري تشبه «الهندسة الوراثية» للقوانين، لضمان بقائه حياً وفاعلاً في عصر صار فيه المواطن أكثر وعياً بحقوقه.

تبدأ حكاية هذا التحول مع ميلاد قانون إصلاح الاستخبارات وتأمين أمريكا، الذي أقر عام 2024 كاستجابة لضغوط أخلاقية فحسب، والذي استخدم كـ«ستار دخان ذكي» لإعادة تموضع القوة الاستخباراتية؛ فلقد أدركت واشنطن أن الاستمرار في المراقبة بنهج «الصيد الواسع» قد يواجه جدراناً قضائية وسياسية مسدودة؛ لذا كان لا بد من إعادة ابتكار «هندسة الخفاء»، وبموجب هذا الإصلاح، تم تمديد صلاحيات التجسس لعام 2025، ولكن مع إضافة طبقات معقدة من «البروتوكولات الوقائية»، التي تجعل عملية التجسس تبدو كفعل قضائي منضبط لا كعملية اقتحام عشوائي.

نظام «الخطأ الواحد» يُجبر «العملاء الفيدراليين» على تسجيل سبب كل «عملية مراقبة»

في قلب هذه الهندسة الجديدة، نجد تحولاً دراماتيكياً في «قواعد الاشتباك الرقمي»، فلقد وُضعت قيود صارمة على كيفية تعامل المحللين مع بيانات الأشخاص الأمريكيين الذين يقعون عرضاً في شبكة المراقبة الموجهة أصلاً للأهداف الأجنبية، فلم يعد مسموحاً للمحلل في وكالة الأمن القومي (NSA) أو مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن يقتحم قاعدة البيانات بمجرد حدس أمني، بل صار لزاماً عليه أن يمر عبر «فلتر» قانوني وإجرائي معقد؛ بكل استعلام أو بحث يقوم به العميل، يجب أن يُرفق ببيان مبرر مكتوب بعناية، يوضح بوضوح لا لبس فيه الصلة المباشرة بالأمن القومي أو الاستخبارات الأجنبية، وهذه الخطوة لم تكن لتقييد يده، بل لتمنحه غطاءً قانونياً يحميه من الملاحقة بموجب العقوبات الجنائية والمدنية الجديدة التي استحدثها القانون ضد أي إساءة استخدام للسلطة.

أما المسرح الأهم لهذه التحولات، فكان محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية (FISC)، والمكونة من نخبة من الخبراء القانونيين المستقلين، ليكونوا لسان حال الخصوصية والحريات المدنية داخل الغرف المصفحة، فلم يعد القاضي يستمع لرواية الحكومة وحدها، بل صار هناك طرف يجبر الوكالات على تقديم أدلة أقوى لتبرير عمليات الاختراق.

في غرف العمليات المظلمة التابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، لا يظهر المواطن الأمريكي على الشاشات كاسم أو صورة أو عنوان، بل يظهر كشفرة صامتة، مجرد كيان مجهول محمى ببروتوكولات الخصوصية التي تفرض وضع قناع قانوني على هويته ما دام قد وقع عرضاً في شباك التنصت الموجهة للخارج، ويُطلقون على هذه العملية (Masking) أو «التقنيع»، وهي الدرع الأخيرة التي تفصل بين عين الدولة وخصوصية الفرد، لكن في عام 2025، اهتزت هذه الدرع بعنف، وشهدت أروقة الاستخبارات ما يمكن وصفه بـ«الزلزال المعلوماتي»، الذي أدى إلى سقوط الأقنعة عن وجوه لم تكن تتخيل يوماً أنها ستصبح مشاعاً داخل التقارير السرية المتداولة بين الوكالات.

تقول الأرقام الصماء في تقرير الشفافية إن هناك زيادة بنسبة 100% في عمليات كشف الهوية، أو ما يسميه التقرير (Unmasking)، لكن القصة الحقيقية تتجاوز الإحصاء؛ إنها قصة 24٫487 أمريكياً تحولوا في ليلة وضحاها من «أشباح رقمية» إلى هويات صريحة على طاولات صناع القرار، وهذه القفزة الجنونية، التي ضاعفت أرقام عام 2024، لم تكن مجرد خطأ تقني أو تساهل إداري، بل كانت نتيجة لـ«إعصار سيبراني مجهول المصدر» استهدف البنية التحتية الحيوية للولايات المتحدة، وفي تلك اللحظات الحرجة، تحولت الخصوصية من «حق مقدس» إلى «عائق أمني» يجب إزاحته فوراً لفهم حجم التهديد.

تخيل المشهد في غرف التحليل؛ فأمامك تقرير استخباراتي واحد ضخم ومعقد، يصل إلى المكاتب العليا، وهو تقرير يتحدث عن اختراق أجنبي واسع النطاق، لكن الأسماء فيه مشفرة تحت مسمى «شخص أمريكي رقم 1» و«شركة أمريكية رقم 200»، وهنا تبدأ لعبة «الأقنعة الخطرة»؛ حيث تتقدم الوكالات الحكومية الأخرى بطلبات عاجلة إلى وكالة الأمن القومي لطلب رفع القناع عن الأشخاص، لمعرفة هؤلاء الأشخاص، وبموجب تفويضات «القسم 702»، بدأ المحللون القانونيون في مراجعة الطلبات تحت ضغط زمني رهيب، ليتساءلوا: هل الكشف ضروري لفهم الاستخبارات الأجنبية؟، وهل هناك خطر وشيك؟.. والإجابة كانت نعم مكررة لآلاف المرات، لتتدفق الأسماء الحقيقية والعناوين والمواقع في تقارير نشر المعلومات، مخترقة جدار السرية الذي طالما تفاخرت به الدولة.

لكن المثير للريبة في هذه المطاردة الرقمية هو التباين الرهيب بين الوكالات؛ فبينما كانت وكالة الأمن القومي ترفع الأقنعة بالجملة، ظلت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والمركز الوطني لمكافحة الإرهاب (NCTC) يتحركون بحذر شديد؛ حيث لم تتجاوز هوياتهم المكشوفة بضع مئات، وهذا التفاوت يطرح سؤالاً روائياً عميقاً: هل كان التقرير السيبراني الواحد مبرراً كافياً لهذا الانكشاف الجماعي؟ أم أن عام 2025 كان مجرد «بالونة اختبار» لمدى تقبل المجتمع لفكرة سقوط الخصوصية أمام فزَّاعة التهديد السيبراني؟

ويكشف التقرير الأمريكي أن هناك 24 ألف شخص تم كشف هوياتهم خلال عام 2025، وهو ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عمل استخباري بامتياز يعيد تعريف مفهوم الضحية في العصر الرقمي، ففي لغة الجواسيس، الشخص الذي تكشف هويته حتى لو كان ضحية يصبح معلوماً للنظام، وسجله يظل محفوظاً في الأرشيفات السوداء التي لا تُنسى.

وفي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، لم يكن عام 2025 مجرد عام لتنفيذ القانون، بل كان اختباراً لوجود المكتب ذاته كقوة استخباراتية محلية؛ فلطالما اعتُبر الـ(FBI) بمثابة «الطفل المشاغب» في عائلة الاستخبارات الأمريكية؛ فهو الذي يمتلك الصلاحية القانونية للتحرك داخل الأراضي الأمريكية، وهو أيضاً الذي يمتلك السمعة الأكثر جدلاً في استخدام الأبواب الخلفية لقواعد البيانات العسكرية للتجسس على المواطنين تحت غطاء مكافحة الجريمة، لكن في عام 2025، وجد العملاء أنفسهم فجأة يسيرون في حقل ألغام قانوني زرعه المشرعون تحت مسمى قانون RISAA.

خوارزميات الذكاء الاصطناعي تتحول لـ«محلل وجلاد» في غرف العمليات

تخيل المشهد الدرامي في مكاتب التحقيق: المحلل الفيدرالي يجلس أمام شاشته، يطارد خيطاً لجريمة سيبرانية أو خلية نائمة، وأمامه قاعدة بيانات القسم 702 المليئة بالأسرار التي جمعتها وكالة الأمن القومي، ففي السابق كان بإمكان العميل بضغطة زر وبناءً على شبهة جنائية بسيطة، أن يغوص في اتصالات أي مواطن أمريكي بحثاً عن أدلة إدانة، أما اليوم فقد وُضعت المقصلة فوق عنق كل من يتجاوز الخط الأحمر، فالقانون الجديد فرض ما يُشبه جدار الحماية القانوني، فمُنع الـ(FBI) تماماً من إجراء استعلامات أدلة الجريمة البحتة التي لا صلة لها بالأمن القومي، إلا في حالات نادرة جداً تتطلب توقيعات من مستويات عليا تشبه «أوامر العمليات الحربية».

المفارقة المذهلة التي كشفها تقرير 2025، التي تزيد من حدة التوتر في هذه المطاردة، هي لغز الأرقام، فبينما كان الجميع يتوقع انكماشاً في نشاط المكتب بسبب الأصفاد القانونية الجديدة، قفزت أرقام استعلامات الأشخاص الأمريكيين من 5518 إلى 7413 استعلاماً في عام واحد، كيف حدث هذا؟.. هنا تظهر براعة الجاسوس البيروقراطي، فلقد أعاد الـ(FBI) صياغة مبرراته تحت مسمى الاستعلامات الدفاعية، ولم يعد العميل يبحث عن مجرم، بل صار يبحث عن ضحية، فبمجرد وقوع هجوم سيبراني على شركة أو مستشفى، يفتح المكتب قواعد بيانات التجسس الأجنبي بحجة حماية الضحايا وتأمين حساباتهم.. إنه تحول تكتيكي ذكي جعل من درع الحماية وسيلةً للبقاء داخل اللعبة الرقمية، ومبرراً للوصول إلى البيانات التي كان من المفترض أن تكون محرمة عليه.

لكن حقل الألغام لا يرحم، فلأول مرة في تاريخ الجهاز، تم تفعيل نظام المحاسبة العلنية أو ما يُعرف بـ نظام الخطأ الواحد، فبحسب التقرير، كل عملية بحث يقوم بها عميل، تخضع لتدقيق آلي فوري يطالبه بكتابة بيان مبرر قبل أن تظهر أي معلومة على الشاشة، وأي انحراف عن النص القانوني قد يؤدي بالعميل من مكتب التحقيق إلى قفص الاتهام بموجب العقوبات الجنائية الجديدة، ولقد صار العميل الفيدرالي في 2025 يطارد أهدافه وهو يلتفت خلفه، ليس خوفاً من المجرمين، بل خوفاً من مفتشي الامتثال الذين يراقبون كل نقرة على لوحة المفاتيح.

في أروقة وكالة المخابرات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA)، كان هناك خط أحمر تقليدي يفصل بين ملاحقة الإرهابيين الذين يهددون بتفجير المدن، وبين ملاحقة تجار المخدرات الذين يغرقونها بالسموم، لكن في عام 2025، سقط هذا الخط تماماً؛ فتقرير الشفافية كشف عن تحول استراتيجي زلزل العقيدة الأمنية الأمريكية؛ حيث صدرت فتوى قانونية من محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية تمنح أجهزة التجسس الضوء الأخضر لاستخدام أثقل أسلحتها الرقمية ضد عدو جديد، وهو شبكات الفنتانيل والمخدرات الاصطناعية.

تخيل المشهد في غرف المراقبة الفائقة: المحلل لا يطارد الآن شيفرات تنظيم القاعدة أو داعش فحسب، بل يضع مُعرفات رقمية تخص مهندسي كيمياء في مختبرات سرية بآسيا، وممولين في أدغال أمريكا اللاتينية، وبموجب التعديل الثوري في المادة 504 من قانون (RISAA)، أصبح بارونات المخدرات أهدافاً استخباراتية مشروعة بنفس وزن الإرهابيين الدوليين، ولم يعد الأمر مجرد قضية جنائية تطاردها إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، بل أصبح قضية أمن قومي وجودي تتطلب تدخل العين التي ترى كل شيء.

قارات العالم تتحول لساحة عمليات مفتوحة وتستغل «العمود الفقري» للإنترنت كـ«عين دولية» تلاحق الخصوم والحلفاء.. و«أجهزة المعلومات» تقوم بتتبع 24 ألف أمريكي لعلاقات بـ«جهات أجنبية»

هذا التحول حوّل مطاردة المخدرات من كمائن جبلية إلى صيد سيبراني عابر للقارات، لتبدأ وكالة الأمن القومي الأمريكية في اعتراض الاتصالات الرقمية المشفرة للكارتيلات الدولية، ليس لرصد شحنة كوكايين هنا أو هناك، بل لرسم الخارطة الجينية للمنظمة بالكامل؛ من أين تأتي المواد الكيميائية الأولية؟ وكيف تُغسل الأموال عبر العملات الرقمية؟ ومن هم الرؤوس الكبيرة التي تدير الإمبراطورية من خلف شاشات الحواسب؟.. التقرير يشير إلى أن إدراج المخدرات ضمن المادة 702 سمح للوكالات بإنشاء بنك أهداف ضخم يضم مئات المهربين الذين لم يكن مسموحاً بالتجسس عليهم بهذه الكثافة من قبل.

وفي الطوابق العليا لمجمع الاستخبارات الأمريكية بفرجينيا، حيث يقع قلب مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، لا تُطفأ المصابيح أبداً؛ فهناك، لا تُعرض على الشاشات وجوه بشرية، بل تُعرض مسارات؛ فبالنسبة للأنظمة التحليلية في قسم العنوان الخامس، لم تعد الجاسوسية تتعلق بما يقوله الناس؛ فلكل إنسان لسان قد يكذب، لكن له أثراً رقمياً لا يعرف الخداع.

وفي عام 2025، كشف تقرير الشفافية عن حقيقة مذهلة؛ فقد قفزت المعرفات الفريدة من 63 ألفاً إلى رقم فلكي يتجاوز 268 ألفاً، أي زيادة بنسبة 300% في عام واحد، بما يعني أن المنظومة لم تعد تلاحق أهدافاً محددة، بل بدأت بجمع كل شيء عن أي شيء.. إنها الخارطة الخفية، حيث يتحول المواطن العادي، دون أن يدري، إلى فتات خبز رقمي في غابة حضارية شاسعة.

تعتمد فلسفة التجسس الهيكلي على مبدأ بسيط: المنظومة لا تقتحم خصوصيتك بكسر بابك، بل ترسم شبكة علاقاتك بالكامل؛ فيكفي أن تتواصل مع هدف أجنبي لثانية واحدة، لتصبح حياتك كتاباً مفتوحاً؛ أين تسكن؟ ما عاداتك الشرائية؟ ومن أصدقاؤك؟ وما المسار الذي تسلكه صباحاً ومساء؟ إنها عملية تجريد للشخصية البشرية وتحويلها إلى بيانات إحصائية يمكن التنبؤ بها.

وبينما تغوص الأنظمة في محيط البيانات، كانت أدوات قديمة تعود للحياة بأسماء تكنولوجية براقة، فالأجهزة التي كانت تراقب الهواتف الأرضية قديماً، تطورت في 2025 لتصبح رادارات إنترنت خارقة، وبموجب أوامر قضائية مطاطية، أصبحت الاستخبارات تملك سلطة إلزام الشركات بتقديم أي سجلات ملموسة، من نبضات القلب المسجلة في التطبيقات، إلى سجلات المستشفيات، وصولاً إلى أدق إحداثيات الـ (GPS).

وخلف بريق القمم الدبلوماسية في بروكسل وطوكيو، تدور معركة صامتة لا تعترف بالحدود؛ فبموجب المادة 702، تحولت القارات الست إلى ساحة عمليات مفتوحة تخضع لرقابة تقنية لا تفرق بين حليف وخصم، طالما أن البيانات تمر عبر العمود الفقري للإنترنت الذي تسيطر عليه الشركات الأمريكية.

وفي مراكز تحليل البيانات الضخمة التابعة لوكالة الأمن القومي (NSA)، لا تُعامل الدول ككيانات سياسية، بل كخزانات بيانات، وفي عام 2025، برزت لعبة «بهلوانية قانونية»؛ فبينما كانت واشنطن تقنع الشركاء الدوليين بأن بياناتهم محمية لضمان تدفق التجارة، كانت ترفض في الغرف المظلمة التخلي عن حقها في اختراق أي حساب إذا اشتمت رائحة تهديد عابر للحدود.

الهدف لم يعد جاسوساً تقليدياً؛ بل أصبح أي مهندس برمجيات، أو تاجر تقني، أو ناشط رقمي يتقاطع نشاطه مع المصالح الأمنية؛ فتمدد مفهوم الاستخبارات ليشمل حماية سلاسل التوريد العالمية، مما منح واشنطن تفويضاً كونياً لمراقبة المصانع والموانئ في أي بقعة، تحت ذريعة منع التجسس الاقتصادي المضاد.

إقرار استراتيجية جديدة في أجهزة الاستخبارات تعامل «مافيا المخدرات» كـ«عتاة الإرهاب».. وبدء استخدام الأسلحة الرقمية لمطاردة «بارونات الفنتانيل»

المثير للدهشة هو استخدام الشفافية كـ«سلاح ناعم»؛ حيث تنشر واشنطن أرقام مراقبتها لـ350 ألف هدف أجنبي لتقول للعالم: «نحن نراقبكم بقانون، بينما الآخرون يفعلون ذلك بلا رقابة»؛ فهي محاولة لفرض المعيار الأمريكي كمعيار وحيد للمشروعية الدولية، مما يحول العين الدولية إلى أداة ابتزاز وتفاوض.

ومع طي الصفحة الأخيرة من تقرير 2025، وصلنا إلى نقطة الانفجار؛ ففي مختبرات «سيليكون فالي» المتعاقدة مع الاستخبارات الأمريكية، لم يعد الحديث عن جمع البيانات هو الشاغل الأكبر، بل عن أتمتة التجسس، ولقد بدأ عصر الجاسوس الرقمي المستقل؛ حيث لم تعد الأعين البشرية كافية لملاحقة مئات الآلاف من الأهداف، فُسلمت المهمة لخوارزميات الذكاء الاصطناعي لتكون هي القاضي والمحلل والجلاد في آن واحد.

وفي عام 2026 وما بعده، تتدفق البيانات كالأنهار الجارفة، والذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمراقبة الماضي، بل بدأ بممارسة التحليل التنبئي، كما يكشف التقرير؛ فبناءً على سجلات الأعمال والتحركات الجغرافية، تحدد الآلة درجة الخطورة قبل أن يفكر الإنسان في القيام بأي فعل.. إنها اللحظة التي يتحول فيها التجسس من رد فعل على جريمة، إلى استباق للقدر البشري.

وتوسع مفهوم العدو ليشمل كل شيء؛ من المخدرات الاصطناعية إلى الأمن السيبراني؛ ففي 2026، لا يوجد مكان خارج التغطية، ونحن نعيش في عصر الشفافية القسرية، حيث تكشف الشركات عن بياناتها لضمان بقائها داخل المنظومة العالمية.

وتكمن نقطة الانفجار الحقيقية في تلاشي الغطاء القانوني؛ فسرعة التطور التقني جعلت القوانين تبدو كسلحفاة تطارد طائرة نفاثة؛ فالمستقبل ينبئ بتجسس بلا ملامح؛ حيث تصبح المراقبة جزءاً من نسيج الحياة اليومية، كالهواء الذي نتنفسه؛ لا نشعر به ولكننا لا نستطيع الهروب منه.

يبقى السؤال الوجودي في الختام: هل الحماية تبرر تحويل حياة البشر إلى كتاب مفتوح؟.. تقرير 2025 لأجهزة الاستخبارات الأمريكية ليس النهاية، بل هو فصل افتتاحي في صراع كوني بين أجهزة تزداد توغلاً وإنسان يزداد انكشافاً؛ فالعين التي لا تنام ستظل تراقب من خلف الستار، محاولة إيجاد توازن مستحيل في عالم قرر أن يضحي بآخر معاقل الخصوصية مقابل سراب الأمان المطلق.


مواضيع متعلقة