صادق شرشر: شعراء العامية الشباب هجروا «التجريب» من أجل حصد الجوائز

كتب: محرر

صادق شرشر: شعراء العامية الشباب هجروا «التجريب» من أجل حصد الجوائز

صادق شرشر: شعراء العامية الشباب هجروا «التجريب» من أجل حصد الجوائز

كتب: سيد العديسي وتصوير: محمد فوزي

مرت قصيدة العامية بمنعطفات كثيرة، فبعد فؤاد حداد الذي كان بمثابة الأب الشرعي لها، جاء شعراء كثيرون ونفخوا فيها من روحهم، مثل بيرم التونسي وصلاح جاهين، مروراً بالأبنودي وسيد حجاب وغيرهما، إلى أن جاءت فترة التسعينات، وجاء المنعطف الكبير لها، حين ظهرت مجموعة شعراء شباب منهم صادق شرشر ومجدي الجابري تصدوا لما اعتبروه تحريراً لها من كل ما حملته من أعباء، مثل الوزن والقافية والخطابة، ليواجهوا هجوماً كبيراً من النقاد وحملة الإرث التقليدي.

في هذا الحوار لسنا بصدد الحكم على التجربة، لكننا نرصد ظروف هذا المنعطف من خلال اسم من مؤسسي هذا التوجه.. صادق شرشر ليس مجرد شاعر عامية فحسب، لكنه مثقف له الكثير من الإسهامات الأدبية والنقدية، وإن كان أغلبها خارج إطار المؤسسة الثقافية.. التقينا به ليحدثنا عن ملامح تجربته وتطورها ورأيه في كثير من القضايا الأدبية، وإلى نص الحوار:

الشعر في أزمة والنقد مسئول عنها.. وقصيدة الشعر لم تتطور منذ 30 عاماً

■ حدثنا عن توجهكم الجديد في فترة التسعينات كمجموعة شعراء العامية!!

في نهاية الثمانينات، كانت هناك عدة أسئلة سألناها لأنفسنا كجيل التسعينات: هل استنفدت القصيدة التفعيلية كل جمالياتها؟، نعم، هل أجهضت قصيدة التفعلية في فترة السبعينات والثمانينات؟ نعم، هل لا بد من إيجاد جماليات أخرى للقصيدة؟، نعم، فكانت قصيدة النثر والتي تحمل جماليات خاصة مختلفة عن القصيدة السابقة. جماليات بصرية بعيدة عن الخطابة والحيل الصوتية وأهم ما أضافته قصيدة النثر للشعر، مثل أنها أصبحت قصيدة مقروءة أكثر منها مسموعة تخلت عن منصات التصفيق والاحتفالات، ولا تستطيع أن تحذف منها شطرة واحدة لأنها كتلة واحدة، وحدة الصورة الكلية للقصيدة عكس القصيدة السماعية يمكنك أن تحذف عدة أبيات ولا تتأثر.

■ حدثنا عن هذه المجموعة!!

بالتأكيد سواء أنا أو «مجدي» لم نخترع قصيدة النثر وحدنا، كانت هناك أسماء أخرى، مثل بهاء عواد وحسين جورج وآخرين في قصيدة العامية، ولكن أنا ومجدي الجابري، رحمه الله، كنا أصدقاء مقربين، فكنا نجلس لساعات بل أياماً مهمومين بالقصيدة ونحاول أن نصحح المفاهيم حولها لأن النقاد عملوا وصفة لها وهذا أضر بها.

■ وهل استمرت هذه القصيدة حتى الآن؟

أصدقك القول أنه بعد فترة طويلة، حدثت ردة غريبة من الشعراء الشبان خصوصاً وهجروا قصيدة النثر واتجهوا لكتابة مستنسخات من شعر الرواد لكي يفوزوا بالجوائز، فالجوائز أصبحت هي المعيار بالنسبة لهم وهجروا التجريب، حتى إن حركة الشعر لم تعد تعنيهم ولا تطوره.. نستطيع القول إنه منذ ٣٠ سنة والقصيدة لم تتطور ومعها نقد الشعر لم يتطور بالتبعية. الشاعر يقدم في الجائزة وهو مدرك بأن قلمه مقيد

■ معنى هذا أنك ترى أن الشعر يمر بأزمة كبيرة!!

بالفعل، الشعر في أزمة ونقد الشعر مسئول عنها، فليس هناك أي حراك شعري كما كان في السابق، فنعيش حالة من التبلد والتجمد، فلا يوجد جدل حول الشعر أصلاً، ما يعني أنه لا أحد مهموم به، وما أراه هو أن الشعر يحتاج للتجريب، والبحث عن نقلة جديدة له، لكن ما يحدث هو أن الشعراء ارتدوا لكتابة القوالب القديمة، فيا لهم من كسالى وخونة لحركة الشعر، فمن الذي سيطور الشعر غير الشعراء؟ لكن الشعراء في وادي الجوائز يهيمون وقرروا تجنيد مواهبهم لجمع الأرصدة في البنوك، وبالطبع لن تجد جديداً في النقد لأنه ليس هناك أي جديد في الشعر إلا محاولات بسيطة لا تشكل ظاهرة ما.

■ البعض يرى أن جوائز الشعر تمنح فرصة للشاعر من أجل التفرغ لمشروعه الأدبي!!

أكثر ما أضر بالشعر هو الجوائز، خاصة أن الشاعر يقدم في الجائزة وهو مدرك بأن قلمه مقيد بناء على توجهات دار النشر أو صاحب الجائزة وفي تقديري فإن الجوائز ودور النشر يتعاملون مع الشعراء على أنهم تابعون لهم وكل ما عليهم هو تنفيذ توجيهاتهم، ويمضي قدماً بلا رؤية، فيمشي على هواهم لأنهم هم الذين سيدفعون له قيمة الجائزة مع البروباجندا.

■ لماذا أنت مبتعد عن الوسط الثقافي منذ فترة طويلة؟

ابتعادي عن الوسط الثقافي كان ضرورياً وصحياً، لأنني تعلمت مهارات أخرى، مثل كتابة الإعلانات والمسلسلات والدراما وحصلت على ما لم أكن سأحصل عليه في الوسط الثقافي، كما تنبأت منذ فترة طويلة بحالة الركود وقد حدثت.

ولقد توقفت سنوات عن كتابة الشعر وعدت، وفترة التوقف جعلتني أشعر بأنني أكرر نفسي في نفس الفلك، فقررت أن أبحث عن حلول، وهكذا كنت أحاول أن أجد منطقة جمالية جديدة وأعتقد أنها ستكون في ديواني الذي أجمعه الآن ولم أستقر على اسمه بعد.

■ هل ترى أن تراجع الشعر أسهم في تسيّد الرواية على المشهد الأدبي؟

أنا ضد فكرة عصر الرواية أو زمن الرواية، فهذا مصطلح غير دقيق، لأنه لا يوجد فن يغني عن فن آخر، كل الفنون جميلة وتحمل جمالياتها الخاصة والمقارنة ساذجة، المهم أن مَن يردد هذا المصطلح لا يدرك أنه من تأليف دور النشر، لأن الشعر لديهم لا يبيع، لأنه كما أسلفت فإن حركة الشعر متوقفة منذ ٣٠ سنة والمجلات التي كانت تقدمه وتحتفي به اختفت منذ زمن.

■ عملت لفترة طويلة في مجال الإعلانات.. حدثنا عن ظروف هذه التجربة!!

بالنسبة لتجربتي في الإعلانات جاءت بالصدفة، فقد كان أحد الأصدقاء من مساعدي الإخراج في مجال الإعلانات فحدثني في الأمر، لا سيما أنه يعرف موهبتي في الكتابة، فكتبت له إعلاناً أعجب إحدى شركات الإعلان الكبرى وقتها، فقرر تعييني بعدها ككرييتف كوبي رايتر أو كاتب إعلانات وتعلمت هذه المهنة منه وكنت عنصراً من أقوى عناصر فريق عمل في الكتابة وقتها على مستوى مصر، وهو شيء أعتز به، خاصة أن هناك الكثير ممن أعتبرهم «أسطوات الصنعة».. وأذكر حينها كيف تدرجت في كتابة الإعلانات بكافة أنواعها وأشكالها، وأدركت أن الإعلان دائماً يقوم على فكرة ويجب أن تتحدى نفسك لتخرج بفكرة مختلفة، والحقيقة أنني استفدت من هذه الكتابة خبرات مختلفة وضمنت بها وظيفة لأنك كشاعر يجب عليك أن تمتهن عملاً له علاقة بالكتابة، فهي الشيء الوحيد الذي تعرفه.

كتبت 12 مسلسلاً إذاعياً.. و«هنيدي» جاء للتوقيع على مسلسل «عنترة ابن ابن ابن شداد» فطلب تحويله لفيلم

■ لك العديد من الأعمال الفنية في الإذاعة.. حدثنا عن ذلك!!

كتبت العديد من الأعمال للإذاعة بعد أن وقعت في غرام الكتابة الدرامية الإذاعية وعملت حوالي ١٢ مسلسلاً كوميدياً لهنيدي وخالد صالح وأحمد عز وهاني رمزي وشيكو وهشام ماجد وأحمد فهمي، والحقيقة أنني أجد نفسي في هذه الأعمال، وأستطيع إخراج كل ما بداخلي فيها.

■ بمناسبة الحديث عن «هنيدي».. كيف جاءت مناسبة التعاون معه في فيلم «عنتر ابن ابن ابن شداد»؟

كما أخبرتك، فقد استهوتني مسألة الكتابة للإذاعة وعملت مع شركة خاصة في هذا المجال كانت تنتج العديد من الأعمال، وكنت قد كتبت مسلسلاً كوميدياً بعنوان: «عنتر ابن ابن ابن شداد» وكان من المفترض أن يؤديه «هنيدي» للإذاعة، لكنه أعجب به كثيراً ورأى أنه لو تم تحويله لعمل سينمائي سيحقق النجاح، فاتفق معي على ذلك وفاتح رئيس الشركة الذي وافق، وحينها كتبت مسلسل «رمسيس.. رمسيس» ليؤديه «هنيدي» للإذاعة، وظل الفيلم فترة طويلة كقصة من تأليفي حتى قبل ظهوره حين وجدت أيمن بهجت قمر يتصل بي ويخبرني بأن القصة أعجبته ويستأذنني في كتابة السيناريو، فوافقت ليظهر العمل للنور بعدها.

قوة مصر الناعمة

يجب أن تكون عناصر القوى الناعمة قدوة للناس يقتدون بها، فلا يستقيم أن تكون فناناً أو كاتباً مصرياً وأنت تشوه مثلاً صورة الوطن في المحافل الدولية، ولا بد أن تكون أفعالك مسئولة لكي يكون لك تأثير مصداقية لدى الجمهور وفي هذه الحالة ستكون القوى الناعمة مؤثرة أكثر لأنها لا تخدع الجمهور وبالتالي سيثق فيها وتكتسب الحضور اللازم على أرض الواقع، فيكون هذا خط دفاع ضد سهام الأفكار السلفية المسمومة التي تسعى للنيل من هوية مصر وشخصيتها، إلى جانب أن القوى الناعمة الحقيقية ستعمل كحائط صد ضد الأفكار الهدامة والابتذال والانحطاط الأخلاقي، وإذا لم يتم تفعيل هذه القوى الناعمة في مختلف المجالات سيتأثر المواطن ويبتعد عن مصريته.


مواضيع متعلقة