حليب بطعم الدم وأطفال عالقون.. حكايات الركام والانكسار تبكي بيروت في ليلة الغدر

كتب: آية أشرف

حليب بطعم الدم وأطفال عالقون.. حكايات الركام والانكسار تبكي بيروت في ليلة الغدر

حليب بطعم الدم وأطفال عالقون.. حكايات الركام والانكسار تبكي بيروت في ليلة الغدر

تحت ركام بيروت حكايات لم تكتمل، أرواح أطفال تنتظر التكريم في المقابر، ومصابون يبحثون عن ذويهم، فما عانوه لم يكن مجرد غارات، بل كانت أمطارا من نار غادرة صبها الاحتلال الإسرائيلي فوق رؤوس المدنيين، لتحول شوارع بيروت النابضة بالحياة إلى مقابر وغبار.. في كل شبر وزاوية من المدينة الجريحة، صرخة مكتومة تبحث عن براح لصداها، ورجفة في عيون أطفال وجدوا أنفسهم فجأة يواجهون عالم موحش لا يرحم بلا أب أو أم بلا مأوى، يستنشقون رائحة الدماء والتراب معًا، حكايات يُشيب لها الرأس، حيث نسف الاحتلال الإسرائيلي الغاشم الذي لا يعرف دون عهد أو دين، أحياء كاملة بمنازلها ومؤسساتها وميادينها في ساعات معدودات.

وأمام تدفق مئات الإصابات، أطلقت المستشفيات في بيروت مناشدات عاجلة لكل الأطباء من مختلف الاختصاصات، للتوجه فوراً إلى أقسام الطوارئ.. «بيروت تنزف»، كانت هذه هي الصرخة الموحدة التي ترددت في أروقة المستشفيات، حيث تحول الممرضون والأطباء إلى جنود في معركة لإنقاذ ضحايا العدوان الغاشم.

تلة الخياط.. صرخات وسباق مع الموت

في تلة الخياط، لم يعد المشهد كما كان، المنازل التي كانت تضج بالضحكات أصبحت ركام يسكنه الصمت والذهول، هناك وقفت السيدات بوجوه غطاها غبار الردم، يصرخن بأسماء أحبتهن تحت الأنقاض.. بين الكتل الخرسانية، كانت هناك محاولات مستميتة لإنقاذ فتاة علقت بين الموت والحياة، يدوي صوت المنقذ وسط صرخات الجيران، في سباق مع الزمن محاولًا إنقاذها تحت الركام.

وفي مشهد يفطر القلوب، بقيت طفلة وحيدة في وسط الدمار، تنظر حولها بعينين تملأهما الصدمة، لا تبكي ولا تتكلم، من هول الفاجعة الذي أخرس لسانها الصغير، ربما باتت عائلتها أرقاما في كشوفات الشهداء أو الجرحى، لكن ظلت هي فقط تنتظر يداً تمتد إليها.

وعلى مقربة، في مستشفى كمال جنبلاط، تكررت المأساة بصورة أخرى، طفل وحيد ممدد في غرف الطوارئ، لا يحمل اسماً ولا هوية، يسأل الممرضون والمسعفون: من أهله؟ ولا مجيب، ربما اختلفت ملامحه خلف الدماء والتراب، وضاعت معه عناوين منزله، ليبقى معلقاً في دائرة الانتظار المرير.

لبنان

مأساة بير حسن وكورنيش المزرعة

لم تكن منطقة بير حسن أو كورنيش المزرعة أوفر حظاً، فقد غطت سحب الدخان سماء العاصمة، وتحولت الشوارع الحيوية إلى ساحات للحطام، لترتجف القلوب لقصة مريم شريف مبارك وشقيقتها مليكة، طفلتان يعيشان هول الصدمة والفزع إثر الضربة الغادرة، بينما ترقد والدتهما في مستشفى الرسول الأعظم، تعاني من إصاباتها الجسدية

لبنان

سيدة معلقة بين الحياة والموت

في زقاق آخر من وجع المدينة الجميلة التي استهدفه الاحتلال الإسرائيلي، انتشرت صورة لسيدة لبنانية، عالقة في فجوة بين طوابق مبنى محطم في بيروت، ليصف الإعلامي ريكاردو الشدياق المشهد بكلمات تقطر القلوب: «هذه ليست مجرد صورة، بل لحظةُ حياة معلقة بين الحياة والموت، امرأة عالقة تحت ركام مدينة مكسورة، لا تعرف إن كانت النجاة في الطريق، هي تعرف فقط أنّ عليها أن تتمسك بالحياة، وحيدة بين الخوف والرجاء».

رنا ناجي.. رحلة الحليب التي انتهت بالشهادة

داخل بلدة حاروف وكل لبنان، تردد اليوم اسم الشهيدة رنا ناجي، لم تكن رنا في جبهة قتال، لكن حركتها غريزة الأمومة، خرجت لشراء الحليب لابنتيها، ظناً منها أن الصيدلية مكان آمن يحميه القانون الإنساني، لكن للاحتلال الإسرائيلي رأي آخر.

عُثر على جثمان رنا الطاهر تحت ركام تلك الصيدلية التي استهدفها الاحتلال، لتترك ابنتيها بانتظار «علبة حليب» لن تصل، وأمٍ صارت في ذمة اللهلبنان