هل يتفكك التحالف الغربي بعد الحرب الإيرانية؟
انزلقت أمريكا وراء إسرائيل فاعتديا على إيران منتهكين القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وكل ما يمكن أن يحمي الشعوب الأضعف. في نفس الوقت سعت أمريكا حثيثًا لدفع أوروبا وحلف الناتو للانضمام إليها في الحرب. لكن أوروبا والناتو المثخنين بجراح أوكرانيا لم يلبوا النداء. غضبت أمريكا وغضب ترامب وصار يفكر في الانسحاب من الحلف أو تدبير مؤامرات لمساعدة إسرائيل في الاعتداء على دولة عضو بالحلف. فهل يتفكك التحالف الغربي بسبب الحرب على إيران؟ هل سنشهد حل حلف الناتو أو على الأقل زمن ضعفه؟ وكذلك تحالف أوروبا مع أمريكا؟ في هذه الحالة كيف يكون شكل النظام العالمي الذي يتجهز المسرح الدولي لتأسيسه؟
ظنت واشنطن أن الحرب على إيران ستمر كالسكين في الزبدة، لكنها اصطدمت بصخرة إيران الصلبة وصدمت برفض أوروبا الانضمام لها في الحرب. سعت أمريكا بكل ما تملك من إغراءات وتهديدات، لجر أوروبا وحلف الناتو إلى مستنقعها الإيراني، صارخة في وجه حلفائها بأن الخطر قادم من طهران، بينما الجميع يرى بعينيه أن الحرب لم تكن دفاعًا عن النفس ولا استجابة لتهديد حقيقي، بل كانت اعتداءً صريحًا على دولة لم ترفع سلاحًا في وجه أحد، انتهاكًا فاضحًا لكل مواثيق القانون الدولي التي طالما تغنت بها أمريكا.
لكن أوروبا تلك العجوز المتعبة التي لا تزال تنزف من طلقات الحرب الأوكرانية، والتي استنزفها الناتو في معركة لم تكن معركتها، لم تلب النداء. قالت: لا نستطيع، لكنها كانت تقصد: لا نريد. الناتو نفسه، ذاك الحلف الذي كان يبدو كجسد واحد، بدأت تظهر فيه شروخ لم يرها أحد من قبل. قادة أوروبا نظروا إلى بعضهم في بروكسل وباريس وبرلين، همسوا: لن نموت من أجل إسرائيل، لن نحرق ما تبقى من اقتصادنا في حرب ثالثة لا طائل منها.
اشتعل الغضب في واشنطن، غضب ترامب الذي لا يحتمل كلمة لا، وبدأ يفكر: لماذا كل هذا التحمل؟ لماذا نبقى في حلف لا يطيع أوامرنا؟ بدأ البيت الأبيض يتساءل في جلسات مغلقة عن إمكانية الانسحاب من الناتو نفسه، أو على الأقل تفعيل بند سري لمساعدة إسرائيل خارج إطار الحلف، والأدهى، بدأت تظهر بوادر مؤامرات لتوريط دولة عضو في الحلف، في اشتباك مع إسرائيل، وكأن العقل الأمريكي قد فقد رشده تمامًا.
لكن بالطبع الناتو لن يتفكك غدًا، فالأحلاف العسكرية لا تموت بجرة قلم، لكن ما سنشهده حتمًا عصر ضعف للحلف، عصر يتحول فيه الناتو من سيف مسلول إلى نادٍ للنقاش، ستصبح المادة الخامسة التي تنص على الدفاع المشترك مجرد حبر على ورق أمام أهواء أي عاصفة.
أما تحالف أوروبا مع أمريكا، ذاك التحالف الذي عمر طويلًا منذ الحرب العالمية الأولى، فإنه يدخل مرحلة الاحتضار البطيء. أوروبا أدركت ما كانت تخشى الاعتراف به أمس، أمريكا لم تعد حاميًا موثوقًا، بل دولة متقلبة المزاج، تبحث عن مصالحها وحدها، على استعداد لحرق أي حليف إذا اقتضت ظروفها. أوروبا بدورها بدأت تهمس بكلمة كانت محرمة لسنين، الاستقلال الاستراتيجي. قد لا نرى غدًا جيوشًا أوروبية موحدة، لكننا سنرى أوروبا تتردد كثيرًا قبل أن تلبي نداء أمريكيًا آخر، سترى باريس تتصل ببكين، وبرلين تسأل نيودلهي، ولندن التي خرجت من الاتحاد تبحث عن مكانها في عالم جديد.
لنتخيل عالمًا بلا قطب واحد مهيمن، ليس عالمًا ثنائيًا كما في الحرب الباردة، بل عالمًا متعدد الأقطاب. أمريكا ستظل قوية لكنها ستعود إلى قارتها، تحرس الفناء الخلفي، بينما تترك الشرق الأوسط وأوروبا لأنفسهما. الصين ستملأ الفراغ في آسيا وأفريقيا وربما أوروبا الشرقية، ليس بالدبابات بل بالعملات والطرق والبنية التحتية. روسيا، بعد انتهاء حرب أوكرانيا، ستعود إلى لعبتها الإقليمية بعيدًا عن أنظار الغرب. وستظهر قوى متوسطة جديدة.
القانون الدولي ستظل نصوصه في الأدراج، لكن هيبته ستتلاشى أكثر، سيحل مكانه منطق القوة الناعمة والصلبة معًا، لكن بدون شرعية أممية. الأمم المتحدة ستتحول إلى محفل خطابي لا أكثر. الدول ستبحث عن تحالفات مؤقتة ومتغيرة حسب المصالح، تحالفات أصدقاء اليوم الذين قد يتحولون إلى خصوم غدًا.
كانت الحرب على إيران بداية، لكنها ليست النهاية. بداية لعهد تتغير فيه التحالفات كما تتغير الفصول، وتهتز فيه الثوابت التي كان يُعتقد أنها أبدية. ومثلما سقط جدار برلين بدهشة الجميع، قد نسقط يومًا ونحن ننظر إلى علم الناتو يُخفض للمرة الأخيرة، ليس بانفجار مدوٍ، بل بأنين خافت، كشيخ أتعبته السنين وغدر به الأصحاب.